شهادة ميلادٍ بقصة وطن
عمر حجة: طفل أسيرٍ كبر رفقة زيارات مدافن الأحياء وحافلات الصليب وصوت الدباسة
إعلام الأسرى

لم تشأ أمه أن تجلبه لعالمٍ يكافح فيه منذ عمر الأشهر، يفهم فيه باكراً جداً معنى التضحية فعلاً لا خطاباً أصم، يكبر سريعاً ولا يترك لها فرصة أن تعامله معاملة الطفل، يفهم معنى المسؤولية والأعباء عميقاً وفي غير الأوان، ربما فكرت أنه سيحل له ذلك على أتم تقدير حين يبلغ عمر ال18 ولا بأس بذلك، لكن أن يفعل في عمر الأشهر فلا منطق لهذا الحمل الثقيل.

في نقطةٍ ما من ذاكرة طفلٍ فلسطيني، صورٌ أرشيفيةٌ مختلفةٌ عن الصور التي يحملها كثيرون في سنه، صوت الدباسة حين تضم تصريحاً له لدخول وطنه رفقة تذكرة باصٍ يعج بقصص البلاد، فسحةٌ ما في الباص لحاجةٍ خمسينية تزور ابنها منذ 18 عاماً، لأطفالٍ يطوي بهم الطفل القصة مسافة الطريق يحدثهم عن أبيه وحكمه المؤبد، فيحدثوه عن تسعة اعتقالاتٍ شهدوا عليها لوالدهم.

صباحاً تستل شهادة ميلاده، سيفاً يحارب به حقه في الوجود وفي زيارة والده، تجلس أم عمر عند أدراج الذكريات والملفات الشخصية والأوراق وتمرر يدها فوق الشهادة، تحاول عدَّ الثقوب التي أحدثتها الدباسة منذ 16 سنة في شهادة ابنها فلا تستطيع، تتفق مع جده حين قال بأنها يجب أن تغلَّف حتى لا تتلف لكثرة استخدامها، فمن منا يخرج شهادة ميلاده ل16 سنة ولزياراتٍ لا حصر لها، بقصصٍ من الخذلان تارة ومن الصبر تارة.

زوجة الأسير سليم محمد سعيد حجة(46عاماً) من سكان بلدة برقة، قضاء مدينة نابلس، وابنها عمر سليم حجة(16عاماً) هما جنديان في معركة سليم، في حرب الزيارات، وفي الأيام التي تمضي من أعمارهم، وفي ذات الوقت في السنوات التي لا يبدو أنها تمضي.

إثبات ميلادٍ نادر

عائلة الأسير سليم حجة قصة متراكمة من الأوجاع والتجارب التي تتجاوز حد آلام أهالي الأسرى، غير أنها تجد دائماً فسحةً من الأمل في زيارةٍ مميزة وسفرٍ بعبادة تهديهما لأسيرها، مراسل مكتب إعلام الأسرى في نابلس أجرى حواراً مع زوجة الأسير حجة للوقوف على تفاصيل الفرح التي يطاردوها لأجل أسيرهم وكذلك للحديث حول تفاصيل الألم التي يحاولون الهروب منها أيضاً لأجل أسيرهم.

بقلبٍ يأن نفسها بالضحك حين تقول" لقد أصبحت شهادة الميلاد هذه مميزة" ممررةً أصابعها فوقها على مهل، تقول والدة الطفل عمر حجة، نجل الأسير سليم حجة" عمر ولد بعد اعتقال والده، خاض تجارب الزيارة منذ الطفولة، شهادة ميلاده تشهد على عدد الزيارات التي زارها، كل فتحة دبوسٍ فيها تمثل زيارة، لكثرة ما رافقت شهادة ميلاده تذكرة الباص، حين أخرجها لأي سببٍ كان أحدق فيها طويلاً، لوحدها يمكن أن تلخص حكاية عائلتنا، ملمسها أصبح خشناً، ولطالما قلت في نفسي: هذه شهادة ميلاد غير طبيعية".

العودة على المعابر

لا تزال ذكريات الشهر الأول من العام الماضي مخزنة في ذاكرة أم عمر، تقول لمكتب إعلام الأسرى" يومها تم حجزنا أنا وعمر، كان لا يزال يستخدم هويتي للزيارة، بقينا محجوزين أكثر من ثلاث ساعات، عادةً في كل مرة حين أصل عند شباك فحص الأوراق يتم إدخال اسمي وإبلاغي بالرفض الأمني وأنني يجب أن أراجع بهذا الخصوص، أنا اعتدت هذا الأمر، لكن في تلك الزيارة كان الأمر مختلف، لأنهم دائماً ما يأخذون الأوراق وبعد ربع ساعة إلى نصف ساعة يخبروني حسب ميزاجيتهم أن أمرَّ أو لا".

زيارة أم عمر في تلك المرة كانت مختلفة كانت برفقة عمر وأم سليم، والدة الأسير سليم حجة، عمر كان سيدخل على تصريح والدته، جدته سمح الاحتلال بدخولها وساعدها الناس في سرعة الدخول لخصوصية عمرها، انتظرت الجدة، أم عمر وعمر في الجهة المقابلة طويلاً ولم يلحقا بها فركبت الباص، في حين في الجهة الأخرى صادر الاحتلال هوية وتصريح أم عمر رغم كونه تصريحاً سنوياً، وطلبوا منها أن تقف بعيداً وبقي عمر معها.

وقفت أم عمر وابنها طويلاً على أمل أن يأتيهم رد بخصوص الدخول، لكن لا رد، فكرت أم عمر" سيتصلون الآن لإبلاغي أن أمر، سننتظر ثلاث ساعات كالعادة"، ورغم نفس أم عمر الطويل لم يحدث ذلك، أهالي الأسرى يمرون أمامها وهي لا تزال واقفة تمسك بيد عمر، أهالي الأسرى يحفظونها غيباً وربما اعتادوا مشهد انتظارها، كلهم يمر عنها ويقول: ما بكم؟... كالعادة؟.

انتظرت أم عمر وانتظرت وبعد ساعات أخربوها بأن تعود للمنزل، لا زيارة لها، تقول أم عمر" أصبت بالجنون، أنا لا بأس أن لا أزور، لكن عمر، رجعت لأتحدث مع موظف الصليب، أخبرته أن لا ذنب لعمر يستطيع أن يدخل مع جدته فهي قادرة أن تكفله، فخرجوا للبحث عنها لكنها كانت انتظرت طويلاً وكان يجب أن تدخل الباص وإلا ستفوتها هي الزيارة أيضاً".

ولا بأي كلمة يمكن وصف مشاعر أم ونجلها عائدين بشعور الخذلان من صباحٍ مبكرٍ بهواءٍ لافح كان يجب أن ينتهي عند شباك زيارة أسيرهما، تقول أم عمر" حزنت على ما حدث، لكن حزني الأكبر على عمر، سيكمل ال16 عاماً، وكل زيارة يحرم منها لن تعود".

في تفاصيل العودة للمنزل يمر طيف أم عمر ثابتة متماسكة أمام الموقف حتى اقترابها من منطقة دير شرف، أنزلتها الحافلة، وفي انتظار السيارة التالية التي ستقلها لمنزلها وفي منتصف الشارع أمام المارة أجهشت ام عمر بالبكاء، تقول أم عمر" لم أتمالك نفسي، كان هذا الموقف نهاية شهر يناير من العام 2018، وكان عمر سيكمل ال16 عاماً بعدها بثلاثة أشهر".

تضيف أم عمر" لم يزر عمر بعدها وأكمل عمر ال16 عاماً وقدمنا له تصريح زيارة لأول مرة، هذه المرحلة تمثل منعطفاً لعمر فمن الممكن أن يتم إعطاؤه تصريح ومن الممكن أن لا يتم، من قبل كانت زيارته باستخدام تصريح آخر من الأقارب يكفلوه كجدته حين كانت تذهب لزيارة والده وعمه مصطفى حجة، أما بعد الآن وبحسب قوانين الاحتلال تزامناً مع عمره يستطيع أن يزور فقط بتصريح، وقضايا نيل التصاريح كلنا نعلم تفاصلها".

قررت أم عمر أن تخوض به غمار هذه المرحلة الجديدة من حياته، قدمت له لتصريح، وبعد بضعة أشهر تم إبلاغها بتصريح رفض أمني هذا يعني أنه سيمنع في زيارتين، ومع هذا كانت فرحة عائلته كبيرة، سيزور عمر والده لابد ولو بعد أشهر.

وحدث ذلك، فلأول مرة زار عمر والده لوحده ناضجاً دون أمه، ورفقة جده، تقول أم عمر" حين أيقظته صباحاً فكرت في نفسي، كان لم يولد بعد حين سجن والده، في كل عام كنا نقول العام القادم هو عام التحرير، وقد مر على هذا الأمل 16 عاماً من الانتظار، كبر عمر وأصبح ابن السادسة عشرة وأنا أخاطب نفسي أيعقل أنها 16 سنة!".

كان عمر فرحاً بزيارته لأبيه هذه المرة أيما فرح، لكن تفاصيل حديثه مع والده في تلك الزيارة سرٌ بينهما حتى أنه لم يخبر والدته، فمنذ صغره يحتفظ بشيءٍ خاص من المحبة لأبيه، وتعتز أمه به لهذه الصفة.

هدية معتمر

تسارعت سبل الفرح لعائلة الأسير سليم حجة المحكوم بالسجن المؤبد المكرر 16 مرة، إضافة إلى 30 عاماً، فقرر أن يخطو خطوةً تحمل هديةً مميزة لوالده، تقول أم عمر" كنا نفكر منذ زمن أن نؤدي مناسك العمر، لكن كان يجب أن يرافقني محرم، وحين أصبح لعمر هوية، ظهرت فرحة أخرى تخفف من قلق التصاريح والرفض الأمني، لكن علمنا أنه يجب أن يكون بعد بعمر ال18 عاماً ليحدث ذلك، لكن لم نتراجع ورافقنا أخي في هذه الخطوة ".

تضيف أم عمر" قررنا الذهاب للعمرة، كانت رحلة جميلة، كنا نفكر ماذا سنجلب هدايا للأقارب وماذا ستكون هدية سليم، وفجأة قلنا سنهديه عمرة، اعتمرنا عن أنفسنا ثم عدنا واعتمر كلانا عن سليم، كانت هدية خاصة لآلامه وسنوات عمره في السجون، كانت فرحتنا بأداء مناسك العمرة عن سليم تتجاوز فرحتنا بأدائها عن أنفسنا بمراحل كثيرة، شعرنا أننا استطعنا أن نقدم له شيئاً مميزاً وخاصاً بعد هذه السنوات، وكم كانت فرحة سليم بذلك كبيرة".

تغلق أم عمر درج الذكريات على أوراق مميزة، شهادة ميلاد انتهى دورها، تذكرة الباص الأولى لعمر، صور العمرة التي ستحاول إدخالها لزوجها، وهي التي لم تزره منذ وقت طويل، وتعود لتخوض الحياة رفقة أحلام ابنها عمر، اليوم أصبح في مرحلة الثانوية في الفرع العلمي، أحلامه كبيرة، يثق بنفسه، يحل مشاكله وحيداً منذ صغره، ويشعره والده دائماً أنه بجانبه، رافقه في محبته للسباحة فأخذ دورة تدريب وأتقن هذه المهارة، ثم تدرب على مهارة ركوب الخيل أيضاً بتشجيع من والده، ولا زال ينتظر بأمل أن يدخل لفظ الحرية منزلهم.

اترك تعليق

جميع الحقوق محفوظة لمكتب إعلام الأسرى © 2020