ما تزال جريمة الاختفاء القسري تشكّل أبرز أوجه حرب الإبادة المستمرة منذ نحو عامين، وطالت الآلاف من أبناء غزة، وتصاعدت بشكل خاص منذ أن نفذت قوات الاحتلال عمليات الاجتياح البري للقطاع، وكان من بين ضحاياها أطفال ونساء.
هذه الجريمة شكّلت الغطاء الأبرز لجرائم التعذيب المهولة التي نفّذت بحقّ معتقلي غزة، والتي أدّت إلى استشهاد العشرات منهم، وبعد مرور عامين على الحرب، لا تزال المؤسسات المختصّة تواجه تحدياً كبيراً في الحصول على معطيات دقيقة وواضحة حول أعداد معتقلي غزة والشهداء منهم.
المنظومة القضائية للاحتلال لعبت دوراً رئيسياً في ترسيخ جريمة الاختفاء القسري، عبر شرعنة جرائم التعذيب بحقّ معتقلي غزة، من خلال احتجاز الآلاف منهم استناداً إلى قانون "المقاتل غير الشرعي" الصادر عام 2002، الذي شكّل غطاء لممارسة التعذيب على نطاق واسع، والتعديلات التي جرت على هذا القانون في بداية الحرب ساهمت في ترسيخ هذه الجريمة، إلى جانب رفض الاحتلال الإفصاح عن أي معلومات تتعلق بمعتقلي غزة أو أعدادهم.
بعد التعديلات القانونية، تم الكشف عن مصير جزء من معتقلي غزة من خلال مراسلات إلى جيش الاحتلال وتنظيم زيارات للمئات منهم، حيث جرى توثيق ممارسات وحشية غير مسبوقة بحقهم، وأظهرت الإفادات والشهادات الصادرة عن المعتقلين مستوى التوحش الممارس ضدهم والجرائم الممنهجة، وعلى رأسها التعذيب المنهجي منذ لحظة الاعتقال وخلال التحقيق وبعد النقل إلى السجون والمعسكرات، ما أدى إلى استشهاد العشرات.
رغم ذلك، يتلاعب الاحتلال في كثير من الردود التي يحصل عليها من المؤسسات، كما يواصل احتجاز جثامين الشهداء دون أي تفاصيل أخرى، وقد أنشأ الاحتلال معسكرات خاصة بمعتقلي غزة، أبرزها معسكر "سدي تيمان"، إلى جانب معسكرات "عناتوت" و"عوفر" و"نفتالي" وقسم "ركيفت"، وهي المعسكرات التي تمكنت المؤسسات الحقوقية من زيارة بعض المعتقلين فيها.
وحتى اليوم لا توجد معطيات دقيقة حول أعداد معتقلي غزة أو الذين استشهدوا نتيجة جرائم التعذيب أو الإعدام، سوى ما أعلنت عنه إدارة سجون الاحتلال حتى بداية آب/ أغسطس 2025، حيث بلغ عدد من صنّفهم الاحتلال ضمن فئة "المقاتلين غير الشرعيين" 2378، فيما بلغ عدد الشهداء بين صفوف معتقلي غزة المعلومة هوياتهم لدى المؤسسات 46 من بين 77 شهيداً، هذا العدد لا يشمل المعتقلين في المحتجزات العسكرية، وقد تضاعف عدد المعتقلين المعترف بهم من غزة خلال عام.
بدوره يؤكد مكتب إعلام الأسرى أن جريمة الاختفاء القسري تمثل انتهاكاً صارخاً لكل القوانين الدولية والمواثيق الحقوقية، وهي استمرار ممنهج لحرب الإبادة التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي ضد أبناء شعبنا في غزة.
ويشدد على أن هذه الجريمة لا تقتصر على حرمان المعتقلين من حياتهم وحقوقهم، بل تتعدى ذلك لتشمل التعذيب المنهجي، والمعاملة الوحشية، واحتجاز الجثامين، مبينًا أن كل ذلك بهدف تدمير الإرادة الإنسانية وطمس الهوية الفلسطينية.
وينبه إلى أن استمرار هذه الممارسات يشكل جريمة ضد الإنسانية، وأن الصمت الدولي والعجز الحقوقي المستمر يساهم في إدامة هذه الجرائم.
ويدعو إعلام الأسرى كل المؤسسات الدولية والحقوقية للتدخل العاجل والضغط على الاحتلال لوقف هذه الممارسات، والكشف فوراً عن مصير جميع المعتقلين، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم التي ارتكبت بحقهم منذ لحظة الاعتقال وحتى اليوم.