إعلام الأسرى: بعد ثلاثة أعوام على حرب الإبادة… أرقام تكشف حجم الجرح النازف في مجتمع الحركة الأسيرة

مع مرور ثلاثة أعوام على حرب الإبادة بحق قطاع غزة، وما أعقبها من حرب إبادة داخل سجون الاحتلال، يعرض مكتب إعلام الأسرى أرقاماً توثّق حجم الجرائم المرتكبة بحق الحركة الأسيرة خلال هذه السنوات الثلاث، مؤكداً أن هذه الجرائم تمتد إلى سنوات سبقت السابع من أكتوبر، إلا أن طبيعتها وحجمها تصاعدا بشكل غير مسبوق بعد اندلاع حرب الإبادة؛ انتقاماً مما جرى في غزة، في ظل استمرار حالة الطوارئ داخل سجون الاحتلال حتى إشعار آخر.
ويشير مكتب إعلام الأسرى إلى أن عام 2026 يحمل خصوصية بالغة في ملف الحركة الأسيرة، بعد إقرار قانون إعدام الأسرى في شهر آذار/مارس من العام ذاته، حيث حمل هذا العام جراحاً لا تزال تنزف في صفوف الأسرى والمعتقلين من الضفة الغربية والداخل المحتل والقدس، وبشكل خاص أسرى قطاع غزة الذين لا يزال مصير العشرات منهم مجهولاً حتى هذه اللحظة.
28% من إجمالي شهداء الحركة الأسيرة منذ عام 1967 ارتقوا خلال السنوات الثلاث الأخيرة فقط، فيما لا يزال الإخفاء القسري يحجب مصير العشرات من شهداء ومعتقلي قطاع غزة، في حين أصبحت هويات 92 شهيداً فقط معلومة من شهداء الحركة الأسيرة.
وشكّلت الأعوام الثلاثة الماضية مسرحاً لجرائم واسعة داخل سجون الاحتلال، حيث تزامنت حرب غزة مع حرب أخرى داخل السجون، استهدفت بصورة خاصة رموز الحركة الأسيرة، من خلال سياسات التجويع وتقنين كميات ونوعية الطعام المقدّم للأسرى، والحرب الممنهجة على أجسادهم عبر القتل البطيء، والإعدامات، والتعذيب الجسدي والنفسي، والاعتداءات الجنسية، والإهمال الطبي، وحرمان الأسرى من العلاج اللازم للأمراض المزمنة والخطيرة، إلى جانب مصادرة احتياجاتهم الشخصية ومقتنياتهم، وسحب كافة الإنجازات التي انتزعتها الحركة الأسيرة على مدار عقود من النضال والإضرابات الطويلة.
الأسرى في أرقام
يعتقل الاحتلال في سجونه اليوم نحو 9300 أسير، بينهم 118 أسيراً محكوماً بالسجن المؤبد، ونحو 90 أسيرة، ونحو 350 طفلاً، إضافة إلى نحو 3101 معتقل إداري، فيما يبلغ عدد المعتقلين المصنفين تحت مسمى “المقاتلين غير الشرعيين” من قطاع غزة ولبنان وسوريا 1419 معتقلاً.
وفي ملف شهداء الحركة الأسيرة، بلغ عدد الشهداء منذ عام 1967 نحو 329 شهيداً، بينهم 92 شهيداً منذ بدء حرب الإبادة على قطاع غزة، ممن أُعلنت هوياتهم من قبل الاحتلال ومؤسسات الأسرى. وتشكل نسبة الأسرى الشهداء خلال السنوات الثلاث الأخيرة نحو 28% من إجمالي شهداء الحركة الأسيرة، وهي نسبة تعكس حجم الاستهداف المتصاعد للأسرى، ومحاولات الاحتلال تصفية رموز الحركة الأسيرة ومجتمع الأسرى بشكل عام.
ولا يزال الاحتلال يحتجز جثامين 100 شهيد من شهداء الحركة الأسيرة، ممن ارتقوا قبل حرب الإبادة وبعدها.
ويؤكد مكتب إعلام الأسرى أنه منذ بدء حرب الإبادة على قطاع غزة، بلغ عدد الاعتقالات في الضفة الغربية نحو 26 ألف حالة اعتقال، فيما تجاوز عدد المعتقلين في قطاع غزة الآلاف، وسط صعوبة بالغة في توثيق الأسماء والبيانات، ما يجعل حجم ما يجري في القطاع وما جرى خلال الحرب غير واضح بصورة دقيقة.
كما تجاوز عدد النساء اللواتي تعرضن للاعتقال والاحتجاز منذ بدء حرب الإبادة 800 امرأة، فيما وصل عدد حالات اعتقال الأطفال في الضفة الغربية خلال الفترة ذاتها إلى نحو 2000 طفل.
حملات عسكرية واسعة
يؤكد مكتب إعلام الأسرى أن هذه الأرقام لا تعكس بصورة كاملة الحالة اليومية في الضفة الغربية بشكل خاص، إذ تشهد القرى والبلدات والمدن، وكذلك القدس والداخل المحتل، اقتحامات واسعة بشكل شبه يومي، فيما يكثّف الاحتلال ما يسميه “النشاط الأمني” في مدن وقرى الضفة، بهدف زعزعة استقرار المجتمع الفلسطيني وفرض واقع جديد على الأرض.
ففي كل ليلة، تستيقظ العديد من القرى على اقتحامات واسعة، تُحوّل خلالها منازل فلسطينية إلى ثكنات عسكرية، ثم يُنقل إليها العشرات، وأحياناً المئات، من أبناء المناطق المستهدفة للتحقيق معهم بشكل فردي، بذريعة جمع المعلومات ودراسة الواقع الفلسطيني الاقتصادي والاجتماعي، إضافة إلى معرفة كيفية التعامل مع اعتداءات المستوطنين، وفرض حقيقة وجود الاحتلال.
وقد لمس عدد كبير ممن خضعوا لهذه التحقيقات طبيعة هذه الأهداف من خلال الأسئلة التي يطرحها ضباط المناطق خلال التحقيق.
ويؤكد المكتب أن الأرقام السابقة لا يمكنها وصف حالة الشارع الفلسطيني، ولا حجم الانتهاكات التي تتعرض لها العائلات خلال الاقتحامات الليلية، حيث يجري الاعتداء على الأسر وأبنائها، ويتجاوز جنود الاحتلال في كثير من الأحيان كل الحدود عبر إطلاق النار على المنازل التي تضم أطفالاً ونساء، ما أدى إلى إصابة العديد منهم واستشهاد عدد من الشبان تحت ذرائع واهية.
إن ما يجري بشكل يومي في منازل الفلسطينيين هو جزء من المشهد الذي تعكسه هذه الأرقام، في حين أن طبيعة الاقتحامات وأساليبها تغيرت بشكل جذري بعد حرب الإبادة على قطاع غزة، وأصبحت التهم الجاهزة، وعلى رأسها “التحريض” أو “الاعتداء على أمن المستوطنين”، تُستخدم بصورة واسعة، في ظل منح المستوطن المعتدي صورة الضحية، على أرض فلسطينية مسلوبة.
قانون الإعدام
يؤكد مكتب إعلام الأسرى أن تاريخ الحركة الأسيرة لم يشهد عاماً أكثر خطورة على الأسرى من العام الحالي، بعد منح القضاء والنيابة العسكرية صلاحيات إصدار أحكام بالإعدام بحق الأسرى، وإقرار قانون إعدام الأسرى بتاريخ 30/3/2026، في خطوة تعكس تصعيد الاحتلال لسياسة الانتقام بحق الشعب الفلسطيني، في ظل غياب أي رادع حقوقي أو دولي فعّال.
ويحمل قانون إعدام الأسرى أبعاداً تتجاوز مجرد إقراره، إذ يعني أولاً إمكانية فرض الإعدام بحق 118 أسيراً من أصحاب الأحكام المؤبدة، الذين أمضى كثير منهم سنوات طويلة داخل سجون الاحتلال، في إطار سياسة انتقامية تستهدف الأسرى وذويهم.
كما يهدف القانون إلى إضعاف الحاضنة الشعبية للأسرى، خاصة في ظل تهديدات وزير الأمن القومي في حكومة الاحتلال إيتمار بن غفير بإعدام منفذي العمليات، وهدم منازلهم ومنازل عائلاتهم، وكل من يدّعي الاحتلال ارتباطه بهذه العمليات.
ويشير المكتب إلى أن السنوات الأخيرة شهدت تصعيداً واضحاً في سياسة هدم منازل الأسرى، حيث يُقدم الاحتلال على تفجير المنازل أو هدمها بواسطة الجرافات أمام أعين العائلات، في عقوبة جماعية لا تستهدف الأسير وحده، وإنما تمتد إلى عائلته وبيئته الاجتماعية.
المقاتلون غير الشرعيين والملف الإداري
مع استمرار هذه السياسات، برز بعد حرب الإبادة على قطاع غزة مفهوم جديد في التعامل مع أسرى القطاع بشكل خاص، وهو مفهوم “المقاتل غير الشرعي”، ورغم أن الاحتلال أقر هذا التصنيف عام 2002، إلا أنه بلغ ذروته خلال حرب الإبادة الحالية.
ويبلغ عدد المعتقلين المصنفين تحت هذا المسمى اليوم 1419 معتقلاً، في حين يبلغ عدد المعتقلين الإداريين 3101 أسير، من أصل نحو 9300 أسير في سجون الاحتلال.
ويشبه هذا التصنيف في جوهره الاعتقال الإداري، إلا أنه يطبّق بشكل خاص على أسرى قطاع غزة، حيث يجري احتجازهم دون توجيه لوائح اتهام واضحة، وبالاستناد إلى ما يسمى “الأدلة السرية”، كما جرى تحويل عدد من أسرى القطاع بعد انتهاء فترات اعتقالهم الفعلية إلى هذا النوع من الاعتقال.
ويؤكد مكتب إعلام الأسرى أن ارتفاع أعداد المعتقلين الإداريين بعد حرب الإبادة وصل إلى مستويات غير مسبوقة تاريخياً، إذ لم تسجل الحركة الأسيرة مثل هذه الأعداد منذ وجود الاحتلال.
كما بلغت الاعتقالات الإدارية في صفوف الأطفال والنساء مستويات خطيرة، حيث يُعتقل أطفال من منازلهم استناداً إلى ملفات سرية، دون توجيه تهم واضحة أو تحديد موعد لنهاية الاعتقال، فيما تُسرق أعمار الأسيرات وعائلاتهن في ظل غياب أي ضمانات قانونية حقيقية.
وبات الفلسطيني اليوم عرضة للاعتقال لأسباب لم تكن تُستخدم بهذا الشكل قبل حرب الإبادة؛ إذ يلاحق الاحتلال الشبان بسبب منشوراتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، أو بسبب مواقف مرتبطة بالدفاع عن الأرض، أو بسبب صور ومواد محفوظة على هواتفهم، تحت ذريعة ما يسمى “الأمن”.
وأصبحت تهمة “التحريض” تهمة جاهزة منذ لحظة اقتحام المنزل، حيث يُعاد اعتقال أسرى محررين أمضوا سنوات طويلة داخل السجون بذريعة هذه التهمة، كما تطال النساء والأمهات والطالبات الجامعيات والقاصرات، حتى في حالات التعبير عن الحزن أو نعي الشهداء عبر صفحاتهن الشخصية.
ولم تسلم الصحافة من هذه السياسة، إذ بات الصحفيون من أكثر الفئات استهدافاً، فيما امتنع عدد من الصحفيين الذين أُفرج عنهم عن الإدلاء بشهادات حول ما تعرضوا له داخل السجون، خشية الملاحقة أو إعادة الاعتقال.
واليوم تنتظر مدن وقرى فلسطينية كثيرة اقتحامات ليلية متكررة، ضمن سياسة تهدف إلى فرض واقع جديد، حيث تمتد الملاحقة إلى مختلف المناسبات والمواسم الفلسطينية، من الأفراح والأتراح إلى مواسم الأرض وتشييع الشهداء، لتتحول تفاصيل الحياة اليومية إلى مساحة للمراقبة والملاحقة والاعتقال.
يؤكد مكتب إعلام الأسرى أن هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات جامدة، وإنما هي قصص إنسانية لعائلات سُلبت منها حقوقها الأساسية، وأعمارٍ تُهدر خلف القضبان، وأجسادٍ تواجه سياسات القتل البطيء والتعذيب والإهمال.
ويدعو المكتب المؤسسات الحقوقية والإنسانية إلى تحمل مسؤولياتها تجاه الجرائم المرتكبة بحق الأسرى خلال السنوات الثلاث الماضية، والتحرك العاجل لوقف ما يجري في سجون الاحتلال، في ظل استمرار منع زيارات اللجنة الدولية للصليب الأحمر والمؤسسات الحقوقية، والتضييق على زيارات الطواقم القانونية، واستمرار عزل عشرات الأسرى من أصحاب الأحكام المؤبدة دون مبررات، إضافة إلى عزل الأسيرات في سجن الدامون ومواصلة ممارسة أشكال التعذيب والتنكيل بحقهن وبحق الأسرى كافة.




