اختناق

لم يكن ع. م يعلم أن دقائق من النوم بعد أيام طويلة من الجوع ستتحول إلى معركة من أجل التنفس، وأن بخاخ فلفل أطلقه أحد السجانين بلا سبب سيجعله يتأرجح بين الحياة والموت، بينما يقف الأسرى عاجزين، وينتظرون طبيبًا لم يأتِ.

في قسم (23) في سجن عوفر، وبعد أكثر من 45 يومًا من التجويع، لم يعد الطعام يسد الرمق، وكان الإرهاق قد أنهك أجساد الأسرى. وحين حلّ منتصف الليل، خيّم هدوء نادر على القسم، فسارع الجميع إلى النوم.

لكن الهدوء لم يدم طويلًا…
دخل ضابط الحراسة، ووجّه بخاخ الفلفل إلى داخل الزنزانة، بينما كان الأسرى نيامًا.
“إيش صار… إيش هالريحة؟! مجرى التنفس كله بحترق!”

خلال لحظات، امتلأت الزنزانة بالغاز، وبدأ الأسرى يسعلون ويختنقون.
كان ع. م قد سقط على الأرض، يلهث، ولا يقوى على التقاط أنفاسه.

تعالت النداءات، لكن الحارس تجاهلها، ولم يستجب أحد.
عندها تذكر أحد الأسرى بخاخ الربو الذي بحوزته.”ما بعرف إذا بينفع… بس هاي بخاختي”

أعطاه جرعة، وطلب منه أن يحاول التنفس ببطء.
مرت ثوانٍ بدت وكأنها ساعات.. وبدأ ع. م يستعيد أنفاسه تدريجيًا.

في صباح اليوم التالي، ظهر الحارس أخيرًا…لكن ليس لإنقاذ الأسير الذي كاد يموت اختناقًا.
بل ليأمر بنقله مع أسرى آخرين إلى أقسام مختلفة، لتنتهي الحادثة كما بدأت بلا محاسبة، وبلا طبيب، وبلا أي اكتراث بحياة الأسرى.
لم تنتهِ الحكاية عند تلك الليلة… فالكثير من الأسرى اليوم يعانون من ضيق في التنفس وأمراض في الرئتين، ويحتاجون إلى بخاخات وعلاج ومتابعة طبية
لكن العلاج في السجون أصبح امتيازًا نادرًا، فيما يبقى المرض عقوبة إضافية تلاحق أجسادهم.




