بين السجن وخدمة الجمهور… كيف توظّف محاكم الاحتلال عقوبة “خدمة الجمهور” بحق المقدسيين وفلسطينيي الداخل المحتل؟

“خدمة الجمهور”… عقوبة تُقيّد المقدسيين وفلسطينيي الداخل بالإذلال وتُحاكم كرامتهم
تواصل سلطات الاحتلال ملاحقة المقدسيين وفلسطينيي الداخل المحتل عبر الاعتقال والمحاكمة وفرض العقوبات ذات الطابع السياسي. وخلال السنوات الأخيرة، برزت سياسة عقابية تحمل اسم “خدمة الجمهور”؛ وهي عقوبة تُقدَّم باعتبارها بديلًا عن السجن، إلا أن حقوقيين يرون أنها تحولت إلى أداة للإذلال والضغط النفسي والعمل القسري.
سجن خارج القضبان
لم يعد السجن الفعلي الوسيلة الوحيدة التي تستخدمها سلطات الاحتلال لمعاقبة المقدسيين وفلسطينيي الداخل المحتل، كما لم تعد الإقامة الجبرية أو أوامر الإبعاد والاستدعاءات المتكررة كافية لتحقيق أهدافها. واتجهت محاكم الاحتلال إلى فرض عقوبة “خدمة الجمهور” كبديل عن السجن في بعض القضايا، خاصة تلك التي تُوجَّه فيها اتهامات ذات طابع سياسي أو ما يسمى بـ”التحريض”، والتي لا تتجاوز في كثير من الأحيان ممارسة حقهم في التعبير عن الرأي.
ورغم تقديم هذه العقوبة باعتبارها بديلًا عن السجن، فإنها تُنفَّذ بصورة تُكرّس الإذلال؛ إذ يُجبر المحكوم على العمل لساعات طويلة دون أجر داخل مؤسسات إسرائيلية، في أعمال شاقة أو مهينة، مثل تنظيف دورات المياه، ورعاية المسنين، والعمل في المطابخ والمغاسل والحدائق التابعة لمؤسسات الاحتلال.
آلية التنفيذ
تُفرض عقوبة “خدمة الجمهور” لمدة قد تصل إلى تسعة أشهر، ويلتزم المحكوم بالعمل نحو ثماني ساعات يوميًا دون أي مقابل مادي، مع بقائه مسؤولًا عن تأمين مصدر رزق لعائلته بعد انتهاء ساعات الخدمة.
ولا يقتصر العبء على طبيعة العمل، وإنما يمتد إلى التهديد الدائم بتحويل العقوبة إلى سجن فعلي في حال التغيب أو مخالفة شروط التنفيذ، حتى ولو كان ذلك ليوم واحد أو لظرف قاهر، ما يجعل المقدسي أو الفلسطيني من الداخل المحتل يعيش تحت ضغط مستمر بين الالتزام بالعقوبة أو مواجهة الاعتقال.
وتستهدف هذه العقوبة، في الغالب، النشطاء والصحفيين والقيادات الوطنية من المقدسيين وفلسطينيي الداخل المحتل، بما يعكس سعي الاحتلال إلى معاقبتهم نفسيًا ومعنويًا، وإظهارهم في صورة الخاضعين لمؤسساته، إلى جانب التضييق على مصادر رزقهم واستنزافهم اقتصاديًا.
معتقلو “خدمة الجمهور”
في 22 تموز/يوليو 2026، أصدرت محكمة الاحتلال في الناصرة حكمًا بحق نائب رئيس الحركة الإسلامية في الداخل المحتل، الشيخ كمال خطيب، يقضي بإلزامه بـ”خدمة الجمهور” لمدة تسعة أشهر، إلى جانب غرامة مالية ووقف تنفيذ، بعد أن كانت النيابة تطالب بسجنه مدة تراوح بين 30 و50 شهرًا.
ويُعرف الشيخ كمال خطيب بدوره في الدفاع عن المسجد الأقصى، إلى جانب الشيخ رائد صلاح، في ظل تصاعد استهداف الاحتلال للحركة الإسلامية وناشطيها، عبر الحظر والملاحقة والتضييق المستمر.
وفي 24 تموز/يوليو 2026، أصدرت محكمة الاحتلال حكمًا بحق المصورة الصحفية المقدسية آلاء الصوص، قضى بإلزامها بـ”خدمة الجمهور” لمدة ستة أشهر، مع وقف التنفيذ، بذريعة “التحريض”، بعد أن طالبت النيابة بسجنها مدة تراوح بين 27 و34 شهرًا.
وتُعد الصوص من الصحفيات اللواتي وثّقن انتهاكات الاحتلال في المسجد الأقصى، وتعرضت سابقًا للإبعاد عنه. وجاء الحكم على خلفية نشاطها الإعلامي، إلى جانب فرض غرامة مالية ووقف تنفيذ في حال مخالفة شروط العقوبة.
تكشف حالتا الشيخ كمال خطيب والصحفية آلاء الصوص جانبًا من سياسة الاحتلال في توظيف عقوبة “خدمة الجمهور” بحق المقدسيين وفلسطينيي الداخل المحتل، ليس باعتبارها بديلًا عن السجن، بل كأداة عقابية تُستخدم للإذلال والاستنزاف والضغط النفسي تحت غطاء قانوني، في إطار سياسات تستهدف التضييق على النشطاء وأصحاب المواقف الوطنية، ومحاولة تجريدهم من صفتهم كمعتقلي حرية.




