الشتاء خلف القضبان.. بردٌ يتحول إلى أداة تعذيب بحق الأسرى

لا يأتي الشتاء على الأسرى الفلسطينيين كفصلٍ عابر وإنما يتحول داخل السجون إلى معركة جديدة مع البرد والمرض وسياسات التنكيل. فبين جدران الزنازين الرطبة، وتحت وطأة نقص الملابس والأغطية، تواجه أجساد أنهكها الاعتقال والإصابات ظروفًا قاسية تزيد من معاناتها، في وقت تتواصل فيه إجراءات التضييق والحرمان التي تمس أبسط مقومات الحياة.
في كتابه “أهلًا وسهلًا بكم في الجحيم… الأسرى الفلسطينيون بعد طوفان الأقصى”، يصف الكاتب والمحرر ثامر سباعنة اعتماد مصلحة السجون الإسرائيلية على فصل الشتاء كوسيلة عقابية بحق الأسرى، ويقول: “ترجمت مصلحة السجون قرارات بن غفير والحكومة الإسرائيلية، على ما يبدو، بطرق مبتكرة لإساءة معاملة الأسرى والتجبر بهم. وهكذا، قام السجانون في مختلف السجون بتفكيك زجاج النوافذ في الزنازين حتى يتسلل الهواء البارد إلى داخلها، كما صادروا الملابس الدافئة وقللوا عدد البطانيات المتاحة للأسرى، وفي أحيان كثيرة لم تكن هناك أي بطانية للأسير، ليبقى دون حماية من البرد القارس الذي اجتاح الزنازين خلال أشهر الشتاء.”
ومع اقتراب دخول ذروة برد الشتاء، تعيش عائلات الأسرى كابوسًا من الانتظار والقلق. فلم يعد بإمكانها إدخال الملابس لأبنائها عبر الزيارات، التي توقفت أو تعذرت بعد السابع من أكتوبر، فيما سُحبت من الأسرى مختلف مقومات الحياة الأساسية؛ من مقتنيات وملابس وأدوات تساعدهم على مواجهة البرد.
وتتعمد إدارة السجون، وفق شهادات الأسرى المحررين، إبقاء ظروف الزنازين قاسية عبر فتح النوافذ وترك الهواء البارد يتسلل إلى داخل الأقسام، ما يزيد من معاناة الأسرى خلال أشهر الشتاء.
وتتضافر عوامل عدة لتحول فصل الشتاء إلى أحد أصعب الفصول التي يواجهها الأسرى؛ أبرزها رطوبة جدران الزنازين، والأسِرّة المعدنية، والهواء البارد الذي يلفح الأجساد ليلًا، إضافة إلى الاكتظاظ الكبير داخل الغرف، ما يدفع عددًا من الأسرى إلى افتراش الأرض والنوم في ظروف قاسية تحت سقف وجدران باردة.
كما يعاني الأسرى من نقص حاد في الملابس الشتوية والأغطية، إذ لم تتمكن عائلات عدد كبير منهم من تزويدهم بملابس جديدة منذ سنوات، ليضطروا إلى مواجهة الشتاء بقطع ملابس مهترئة لا تكفي لحمايتهم من البرد.
وتزيد الأغطية المهترئة والمتداولة بين الأسرى من احتمالية انتقال الأمراض، خاصة بين المصابين بمرض الجرب (السكابيوس)، الذي انتشر داخل السجون خلال الفترة الماضية. ويجد الأسير نفسه أمام ظروف قاسية تجعله عاجزًا عن اختيار الحل الأفضل؛ فإما أن يواجه البرد القارس دون حماية كافية، أو يستخدم ما هو متاح من أغطية وملابس قد تزيد من معاناته الصحية.
لقد خلقت حرب الإبادة على قطاع غزة واقعًا أكثر قسوة داخل السجون، حيث تصاعدت الإجراءات التنكيلية بحق الأسرى، وتحول تجريدهم من مقتنياتهم واحتياجاتهم الأساسية إلى سياسة ضغط وعقاب جماعي. ومع دخول فصل الشتاء، يُخشى من تفاقم الأوضاع الصحية للأسرى نتيجة البرد ونقص الملابس والأغطية، إضافة إلى استمرار انتشار الأمراض الجلدية.
وتدّعي إدارة السجون الإسرائيلية أن الملابس والأدوية متوفرة داخل السجون، إلا أن شهادات الأسرى المحررين تؤكد أن الموجود لا يلبي الاحتياجات الفعلية، وأن الكميات محدودة ولا تكفي الأعداد الكبيرة من الأسرى، كما أن الملابس المقدمة غالبًا ما تكون مستعملة ومهترئة، في ظل نقص واضح في الرعاية الصحية.
ولا يقتصر برد الشتاء على الزنازين فقط، فهناك ظروف أخرى تزيد من معاناة الأسرى، أبرزها عمليات النقل بين السجون، خاصة في المناطق الصحراوية الباردة مثل سجني النقب وجانوت، إضافة إلى الانتظار الطويل خلال التنقلات أو أمام عيادات السجون وأثناء زيارات المحامين، وسط ظروف قاسية ومعاملة مهينة.
كما يفاقم نقص الطعام، من حيث الكمية والجودة، معاناة الأسرى في فصل الشتاء؛ إذ يحرم أجسادهم من الطاقة اللازمة لمقاومة البرد، في وقت يعانون فيه أصلًا من ظروف صحية صعبة وأمراض متعددة.
هذه الظروف تفسر حجم القلق الذي يعيشه أهالي الأسرى مع اقتراب الشتاء، إذ تحدث مكتب إعلام الأسرى مع عدد منهم حول مخاوفهم على أبنائهم في ظل استمرار هذه السياسات.
تقول والدة الأسرى الأشقاء الثلاثة نور سلامة ومنير سلامة المعتقلين منذ 9/11/2023، والأسير فداء سلامة المعتقل منذ 20/4/2026، وجميعهم من مخيم جنين وينتظرون المحاكمة:”في ظل الظروف القاسية التي يعيشها الأسرى داخل السجون، وعدم توفر وسائل التدفئة ونقص الأغطية والملابس، ومع افتقار الغرف لأبسط مقومات الحياة، أخشى على أولادي كما تخشى كل أم على أبنائها الأسرى.” وتضيف:
“أحمل هم ثلاثة من أبنائي الأسرى؛ منير يعاني من إصابة في قدمه اليسرى وتوصيل شريان، ونور لديه إصابة في كتفه، وفداء تعرض للاعتداء أثناء الاعتقال، وأخشى عليه أيضًا. فالجميع يعلم أن أماكن الإصابات تحتاج إلى الدفء، وأن الشتاء يجعل الوضع أكثر صعوبة بسبب غياب مقومات الحياة.”
ومن قطاع غزة، حيث تعرف العائلات معنى البرد جيدًا، تقول عائلة الأسير عبد الله حمدان المنايعة المعتقل منذ 19/12/2021:
“يعاني عبد الله من إصابة سابقة تتمثل بتمزق الأوتار في قدمه، وكان بحاجة إلى استخدام مشدات طبية. وفي أوقات البرد والشتاء، كان إذا تعرضت قدمه للبرد يغزو الوجع جسده بالكامل، فكيف هي أوضاعه مع برد السجون خلال سنوات الحرب السابقة وفصل الشتاء القادم؟”
أما والدة الأسير كمال جوري، المحكوم بالسجن المؤبد منذ اعتقاله عام 2023، فلا تنفك عن المشاركة في فعاليات أهالي الأسرى، وتعرف جيدًا ما يعنيه الشتاء للأسرى، وخاصة لنجلها كمال، وتقول:
“خوفنا على أولادنا في السجون كبير، خاصة أن كمال مصاب ولا أعرف عنه أي شيء. ومع دخول فصل الشتاء تزداد المعاناة ويزداد خوفنا على أسرانا. نحن الأهالي فقدنا الأمل من مناشدة العالم، ولم يبقَ لنا إلا أن نتضرع إلى الله أن يفرج كرب أسرانا ويفك أسرهم.”
وفي سجن جانوت، أحد أكثر السجون برودة، يقضي الأسير سالم علي زيدات من الخليل أيامه بانتظار محكمته القادمة، وتقول عائلته:”الأيام التي تمضي في غياب والدنا لا يمكن وصفها. خوفنا الأكبر على وضعه الصحي، فهو يعاني من حصوة في المرارة ووجع أسنان مستمر، ونتيجة الإهمال الطبي في السجون تدهورت حالته الصحية، كما تمنع مصلحة السجون توفير العلاج اللازم له. ومع دخول الشتاء يزداد خوفنا عليه أضعافًا، في ظل نقص الملابس والأغطية، والبرد القارس في هذه المناطق، وقلة الطعام.”وتضيف عائلته: “ندعو الله أن يجعل قلوبنا صابرة، وقلوب أسرانا ثابتة، وأن يفرج كربنا وكربهم.”
أما الأسير أحمد محمد زيدات من الخليل، والمحكوم بالسجن المؤبد منذ اعتقاله عام 2024، فتخشى عائلته من تدهور وضعه الصحي مع دخول فصل الشتاء، خاصة أنه يقبع أيضًا في سجن جانوت. وتقول:”أحمد يعاني من الشقيقة التي أصيب بها حديثًا، وإدارة السجون تتعمد إبقاء الضوء مضاءً فوق رؤوس الأسرى، ما يؤثر سلبًا على حالته الصحية. ونحن نطالب له بالعلاج في ظل كل هذا الألم.”
ويُعد أحمد زيدات مثالًا لعشرات الأسرى الذين لم تتح لعائلاتهم فرصة إدخال ملابس دافئة لهم؛ فمنذ سنوات يواجه الشتاء بملابس محدودة ومهترئة، كما هو حال أعداد كبيرة من الأسرى الذين يستقبلون موسم البرد في ظل ظروف قاسية، تتداخل فيها قسوة الزنازين مع نقص الاحتياجات الأساسية وانتشار الأمراض.
في السجون، لا يكون البرد مجرد انخفاض في درجات الحرارة، بل يتحول إلى معاناة يومية تُثقل أجساد الأسرى وتزيد من آلامهم. وبين جدران باردة واحتياجات غائبة، يبقى السؤال حاضرًا: إلى متى تستمر هذه الظروف التي تحرم الأسرى من أبسط حقوقهم الإنسانية؟




