الصحفي محمد عبيد يروي تفاصيل التعذيب في سجون الاحتلال: “النقب غوانتانامو”

من مجمع الشفاء الطبي إلى نيتساريم، وصولًا إلى سجن النقب؛ رحلة اعتقال يروي فيها الصحفي محمد عبيد تفاصيل الضرب والتحقيق والبرد القارس، وشهادات عن أسرى أنهكهم التعذيب، وآخرين فقدوا عقولهم، فيما غابت عنه أبسط مقومات الحماية والحقوق.
«معكم الصحفي محمد عبيد، اعتقلوني من مجمع الشفاء الطبي في 14 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، في بداية العدوان».
بهذه الكلمات يستعيد الصحفي محمد عبيد اللحظة التي انقلبت فيها حياته من تغطية ما يجري في قطاع غزة إلى مواجهة تجربة الاعتقال داخل سجون الاحتلال، لم يكن يعلم أن خروجه من مجمع الشفاء الطبي سيقوده إلى رحلة من التحقيق والضرب والمعاناة، وأن ما سيراه خلف القضبان سيفوق، بحسب شهادته، كل ما يمكن أن يتخيله الإنسان عن وجع السجون.
يستذكر عبيد لحظة اعتقاله، حين كان الجنود يأمرون الموجودين بالخروج والسير أمام الكاميرات، وبينما كان يمشي، ناداه أحد الجنود قائلًا: «أبو البنطلون الأبيض ، يوقف». توقف عبيد وأشار إلى نفسه، ليتأكد الجندي من هويته قائلًا: «آه، أنت الصحفي محمد عبيد، تعال» ، ومن هناك، بدأت رحلة الاعتقال
ينقل عبيد أن الجنود اقتادوه إلى موقع نيتساريم، حيث خضع لاستجواب بدأ، وفق روايته، بالضرب، قبل أن يخضع لتحقيق أولي، ثم نُقل لاحقًا إلى سجن سدي تيمان، حيث كانت ظروف الاحتجاز، كما يصفها، مأساوية إلى حد يصعب تصوره.
يقول عبيد: «السجن مأساوي، مأساوي، مأساوي جدًا ، ما حدا بتخيل الفظاعة والإجرام اللي بتصير في السجون. كل الوجع، والله، ما ضلّش إشي ممكن تتخيله بالسجون إلا شفته».
كلماته لم تكن مجرد وصف لظروف الاعتقال،إنما شهادة عن تفاصيل يقول إنها ظلت عالقة في ذاكرته؛ مسنون خلف القضبان، وأسرى استشهدوا جراء الضرب، وشبان فقدوا عقولهم تحت وطأة ما تعرضوا له.
مشاهد تختصر، في روايته، حجم المعاناة التي عاشها الأسرى، وتكشف عن واقع يقول إنه تجاوز حدود الاحتمال الإنساني.
ولا ينفصل التعذيب، بحسب شهادة عبيد، عن الظروف المعيشية القاسية التي واجهها الأسرى، ولا سيما خلال فصل الشتاء، حين يتحول البرد إلى معاناة إضافية تثقل أجسادًا أنهكها الاعتقال ، خاصة في سجن النقب حيث البرودة القارصة».
ويضيف أن الأسرى كانوا يمضون أحيانًا ثلاثة أيام وهم ينامون على الأرض، بعدما تبتل الأغطية البسيطة التي بحوزتهم، فلا يجدون ما يقيهم البرد، ويضطرون إلى وضعها على الأرض المتسخة وانتظار أن تجف.
تفاصيل يومية تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها، كما يرويها، تكشف عن قسوة الحياة داخل السجون، حيث يصبح الحصول على غطاء جاف أو مكان يحمي الجسد من الأرض الباردة جزءًا من معركة البقاء.
ويؤكد عبيد أن كونه صحفيًا زاد، بحسب تقديره، من حدة التحقيق معه، مشيرًا إلى أنه لم يُعرض عليه أي محامٍ، ولم يتعامل مع أي جهة حقوقية خلال فترة اعتقاله، وفق شهادته.
ويصف ما تعرض له بأنه أقرب إلى الاختطاف منه إلى الاعتقال الذي تُحترم فيه الحقوق والضمانات القانونية، قائلًا إنه لم يشعر بوجود أي حقوق للأسرى، أو الحد الأدنى من الحماية التي يفترض أن يتمتع بها المعتقلون.
ويضيف أن الصليب الأحمر لم يكن حاضرًا في تجربته، وأنه لم يجد، كما يقول، أدنى مقومات حقوق الأسرى داخل السجون التي احتُجز فيها.
ومن موقعه صحفيًا عاش تجربة الاعتقال، يطرح عبيد أسئلة تتجاوز حكايته الشخصية: من يحمي الأسرى في ظل هذه الظروف؟ ومن يتابع أوضاعهم؟ وكيف يمكن وقف ما يصفه بالانتهاكات التي تطال أجسادهم وكرامتهم وحقهم في الحياة؟
في ختام شهادته، لا يكتفي محمد عبيد باستعادة ما عاشه، إنما يوجّه نداءً إلى المؤسسات الحقوقية والإنسانية، وإلى كل من يستطيع إيصال صوت الأسرى إلى العالم.
يقول: “رسالتي الأخيرة: كونوا مع الأسرى، الوضع بالسجون مأساوي ،سجن النقب عبارة عن غوانتانامو.. أنقذوا الأسرى”.
نداء تختصره كلمات قليلة، لكنها تحمل خلفها تجربة اعتقال قاسية، ومشاهد يقول عبيد إنه لن ينساها، وأصوات أسرى لا يستطيعون رواية ما يعيشونه بأنفسهم.
“أنقذوا الأسرى” نداء يضع معاناة من لا تزال أبواب الزنازين مغلقة عليهم أمام مسؤولية العالم.




