عائلة زيدات.. اعتقال يطول ومرض يتفاقم وبيوت لم تعد قائمة

من بني نعيم شرق الخليل، تتوزع حكاية عائلة زيدات بين السجون والمنازل المدمرة والقلق على صحة الأسرى. أحمد زيدات، الشاب الذي لم يتجاوز الخامسة والعشرين، خلف القضبان، وطفلته سناء تكبر وتسأل عن أبيها، فيما تحاول زوجته الصمود أمام قسوة الغياب وأعباء الحياة. وإلى جانبه، يقبع عمه محمود وشقيقه سالم، إلى جانب أفراد آخرين من العائلة، في مشهد تتداخل فيه معاناة الاعتقال مع المرض والحرمان من الرعاية الطبية وفقدان الاستقرار الأسري.
لم تعد الأيام في حياة زوجة الأسير أحمد محمد علي زيدات تُقاس بتعاقب الصباحات والمساءات، بل بقدر ما تحمله من قلق على زوجها، وخوف على صحته، وأسئلة طفلتها سناء التي تكبر فيما يظل أبوها بعيدًا عنها، خلف أبواب السجون.
تتحدث الزوجة عن وجع لا تجد الكلمات الكافية لوصفه، وعن ليالٍ طويلة يغلب عليها الأرق والتفكير في مصير زوجها، الذي لا تعرف على وجه الدقة كيف يعيش، ولا ما إذا كان يحصل على العلاج الذي يحتاج إليه. وبينما تحاول التماسك أمام ابنتها، تتراكم عليها أعباء الحياة اليومية، في ظل غياب الزوج وتدمير المنزل الذي كان يجمع الأسرة.
أحمد زيدات.. صداع بلا علاج وطفلة تنتظر أباها
اعتُقل أحمد زيدات، المولود عام 2001، في 15 يناير/كانون الثاني 2024، على خلفية عملية رعنانا، وصدر بحقه حكم بالسجن المؤبد وستين عامًا إضافية، وفق المعلومات الواردة في ملفه.
وبحسب زوجته، تمكن أحمد من الاتصال بالعائلة قبل نحو عشرة إلى خمسة عشر يومًا من حديثها، وأبلغهم بأنه يعاني صداعًا شديدًا ونوبات من الشقيقة، في ظل حاجته إلى العلاج. وتقول إن الأسرة لا تزال تطالب بتوفير الرعاية الطبية اللازمة له، وإن القلق على وضعه الصحي يرافقها باستمرار، في ظل صعوبة التواصل معه والاطمئنان المباشر عليه.
ولا تقتصر مخاوف الزوجة على المرض؛ إذ تشير إلى ظروف احتجاز تصفها بالقاسية، من بينها استمرار الإضاءة فوق رؤوس الأسرى طوال اليوم، وقلة الطعام، ونقص الملابس وتبديلها. وتضيف أن هذه الظروف تزيد خشيتها على زوجها، خصوصًا مع تراجع قدرتها على معرفة تفاصيل حياته اليومية داخل السجن.
لكن أكثر ما يثقل قلبها هو طفلتها سناء، التي بدأت تكبر وتطرح أسئلة عن أبيها. فمع مرور الوقت، تتسع أسئلة الطفلة، بينما تعجز الأم عن منحها إجابة واضحة عن موعد عودة والدها، وتجد نفسها تحاول وحدها احتواء حزنها وتأمين احتياجاتها وسط ظروف معيشية صعبة.
تقول الزوجة إنها لم تعد تنام الليل من شدة القلق، وإنها وصلت إلى مرحلة من الإرهاق النفسي جعلتها عاجزة أحيانًا عن الكتابة أو التعبير عما بداخلها. وتضيف أن الحديث مع الآخرين يمنحها فرصة للتنفيس عن بعض الألم الذي تحمله، في ظل غياب زوجها وتراكم المسؤوليات فوق كتفيها.
منزل مدمّر وحياة تبدأ من جديد
لم تتوقف معاناة أسرة أحمد عند اعتقاله؛ ففي 17 أبريل/نيسان 2024، هدمت قوات الاحتلال منزله المكوّن من طابقين، كما دُمّر منزل عمه الأسير محمود زيدات، وفق المعلومات الواردة في تقارير متعلقة بالقضية.
ومع تدمير المنزلين، وجدت العائلتان نفسيهما مضطرتين إلى البحث عن مأوى بديل، وتحمل أعباء السكن والإيجار، إلى جانب تبعات الاعتقال وغياب أفراد الأسرة.
وتقول زوجة أحمد إن ظروفهم المعيشية صعبة للغاية، وإنهم يقيمون في مسكن صغير تتشارك فيه عائلتان، في محاولة لتدبير شؤون الحياة اليومية رغم محدودية الإمكانات. ولا ينفصل هذا العبء عن القلق المتواصل على زوجها، أو عن مسؤوليتها تجاه طفلتها التي تحتاج إلى الاستقرار والأمان في مرحلة تتشكل فيها ذكرياتها الأولى عن أبيها.
وتضيف أن قوات الاحتلال اقتحمت المنزل الذي تقيم فيه ثلاث مرات خلال عشرة أيام، وفق روايتها، الأمر الذي ضاعف شعورها بالخوف وعدم الاستقرار، وجعلها تعيش تحت ضغط متواصل، لا تعرف معه متى تنعم وأسرتها بشيء من الهدوء.
وفي هذه الظروف، لا يبدو المنزل المستأجر مجرد مكان للسكن، بل محاولة شاقة لترميم حياة فقدت كثيرًا من مقوماتها؛ فالجدران الجديدة لا تعوّض البيت المدمّر، ولا تملأ فراغ الأب الغائب، ولا تمنح الأم القدرة على طمأنة طفلتها بشأن المستقبل.
محمود زيدات.. مرض وقلق يتضاعفان مع الشتاء
تمتد الحكاية إلى الأسير محمود علي سالم زيدات، المولود عام 1980، وعمّ أحمد، الذي يقبع في سجن ريمون، وفق إفادة العائلة. ومحمود أب لسبعة أبناء، ست بنات وابن، تركهم خلفه ليواجهوا بدورهم مرارة الغياب والحرمان من وجود الأب في تفاصيل حياتهم اليومية.
وبحسب المعلومات التي قدمتها العائلة، يعاني محمود تدهورًا صحيًا ملحوظًا، في ظل إصابته بحالة تحسّس حادة ومزمنة تترافق مع طفح جلدي وحكة شديدة، وتتأثر ببرودة الطقس. وتشير الإفادات إلى أنه فقد نحو 52 كيلوغرامًا من وزنه منذ اعتقاله، وأن العلاج الذي يحصل عليه لا يتجاوز، وفق رواية العائلة، مسكنات الألم، دون توفير الرعاية الطبية المتخصصة التي تحتاج إليها حالته.
ويثير فقدان هذا القدر الكبير من الوزن، إلى جانب استمرار الأعراض الصحية، مخاوف جدية لدى ذويه، الذين يخشون أن يؤدي استمرار تدهور حالته إلى مضاعفات أشد خطورة. وتزداد هذه المخاوف مع اقتراب فصل الشتاء، في ظل ما تتحدث عنه العائلة من نقص الملابس والأغطية وقلة الطعام داخل السجون.
ولا تستطيع الأسرة، في ظل صعوبة التواصل وحرمانها من الزيارات وفق إفادتها، أن تطمئن على محمود بصورة مباشرة أو أن تتابع حالته الصحية عن قرب. وهكذا يتحول المرض إلى مصدر قلق يومي، تتضاعف وطأته كلما انقطعت الأخبار أو تعذر الحصول على معلومات واضحة عن وضعه.
سالم زيدات.. أبٌ غائب وآلام تنتظر العلاج
ولا تتوقف معاناة العائلة عند أحمد ومحمود؛ إذ يقبع الأسير سالم علي زيدات، البالغ من العمر 45 عامًا وشقيق محمود، في سجن نفحة، وفق المعلومات التي قدمتها الأسرة.
وتصف عائلة سالم الأيام التي تمضي بعيدًا عن والدها بأنها أيام مثقلة بالوجع والحرمان، في ظل غياب حنانه وصوته عن البيت. ويقول أفرادها إن أكثر ما يؤلمهم هو الخوف المستمر على صحته، وعدم قدرتهم على الاطمئنان عليه أو معرفة تفاصيل وضعه الصحي بصورة منتظمة.
وبحسب إفادة العائلة، يعاني سالم حصوة في المرارة وآلامًا مستمرة في الأسنان، وتقول أسرته إن حالته الصحية تدهورت نتيجة ما تصفه بالإهمال الطبي داخل السجن، وإنه لا يحصل على العلاج اللازم.
وتتضاعف مخاوف ذويه مع دخول فصل الشتاء، في ظل ما أفادوا به من نقص الملابس والأغطية وقلة الطعام، وما يرافق ذلك من قلق على صحة الأسرى وقدرتهم على تحمل البرد.
وتناشد العائلة الجهات الرسمية واللجنة الدولية للصليب الأحمر التدخل العاجل لمتابعة الحالة الصحية لسالم، وضمان حصوله على الفحوصات والعلاج المناسبين، والعمل على تحسين ظروف احتجاز الأسرى وتوفير احتياجاتهم الأساسية، من غذاء وملابس وأغطية ورعاية طبية.
وفي خضم هذه المعاناة، يتمسك أفراد الأسرة بالدعاء والصبر، ويأملون أن تنتهي أيام الغياب، وأن يعود الأب إلى أبنائه، ويستعيد البيت صوته الذي افتقده طويلًا.
أربعة أسرى من العائلة.. وأربعة أماكن للاحتجاز
تكشف إفادة العائلة عن اتساع دائرة الاعتقال بين أفرادها؛ إذ يقبع سالم زيدات في سجن نفحة، فيما يوجد محمود زيدات وأحمد زيدات في سجن ريمون، ومحمد خالد زيدات في سجن عوفر .
وتعني هذه الأسماء بالنسبة إلى ذويهم أكثر من مجرد قائمة بأسرى موزعين على السجون؛ إنها وجوه غائبة عن موائد العائلة، وأصوات افتقدتها البيوت، وأبناء وأقارب يعيشون على وقع الانتظار والقلق.
ومع غياب عدد من رجال العائلة، تتوزع المسؤوليات على الزوجات والأبناء، وتصبح الأعباء المعيشية والنفسية أكبر من قدرة كثير من الأسر على الاحتمال. فهناك زوجة تنتظر زوجها، وأطفال يكبرون بعيدًا عن آبائهم، وأمهات وآباء يعيشون على وقع الخوف من تدهور صحة أبنائهم، في ظل محدودية التواصل وصعوبة الاطمئنان عليهم.
أحكام طويلة وغياب يثقل مستقبل العائلة
اعتُقل أحمد ومحمود زيدات في 15 يناير/كانون الثاني 2024، على خلفية عملية رعنانا التي شهدت عملية دهس وطعن، وأسفرت، وفق التقارير المنشورة عن الحادثة، عن مقتل إسرائيلية وإصابة عدد من الأشخاص.
وصدر بحق كل منهما حكم بالسجن المؤبد وستين عامًا إضافية، إلى جانب غرامات مالية كبيرة أشارت البيانات المقدمة إلى أنها بلغت مليوني شيكل لكل منهما.
وتضع هذه الأحكام العائلتين أمام مستقبل بالغ الصعوبة؛ فهي لا تعني سنوات طويلة من الغياب فحسب، بل تترك آثارًا ممتدة على الزوجات والأبناء، الذين يواجهون تحديات الحياة دون وجود آبائهم، وعلى بقية أفراد العائلة الذين يتحملون تبعات الاعتقال وتدمير المنازل والقلق الصحي.
وبالنسبة إلى زوجة أحمد، تتداخل هذه الأحكام مع أسئلة طفلتها سناء، ومع واقعها المعيشي الذي تغير بعد تدمير المنزل، ومع خوفها على صحة زوجها. أما عائلة محمود وسالم، فتواجه القلق ذاته، وإن اختلفت تفاصيله من أسير إلى آخر.
وهكذا تتحول قضية الاعتقال إلى واقع إنساني طويل الأمد، ينعكس على الاستقرار النفسي والاجتماعي والاقتصادي لعائلات كاملة.
نداء العائلة: العلاج أولًا.. والحرية مطلب لا يغيب
أمام هذه الظروف، تناشد عائلة زيدات الجهات الرسمية والمؤسسات الدولية واللجنة الدولية للصليب الأحمر التحرك لمتابعة أوضاع أبنائها الأسرى، وضمان حصولهم على الرعاية الطبية اللازمة، وتوفير الغذاء والملابس والأغطية، وتحسين ظروف احتجازهم، والسماح للعائلات بالاطمئنان عليهم والتواصل معهم.
وتؤكد العائلة أن توفير العلاج ليس مطلبًا مؤجلًا، بل ضرورة عاجلة في ظل الأمراض والأعراض الصحية التي تحدث عنها ذوو الأسرى، ولا سيما ما يتعلق بحالة محمود وفقدانه الكبير للوزن، وآلام سالم ومشكلاته الصحية، ومعاناة أحمد من الصداع ونوبات الشقيقة.
كما تجدد زوجة أحمد مطالبتها بإدراج قضية الأسرى، بمن فيهم المحكومون بالمؤبدات، ضمن أي مفاوضات أو جهود للإفراج عن الأسرى، مشددة على أن مطلبها لا يقتصر على عودة زوجها وحده، بل يشمل جميع الأسرى الذين ينتظر ذووهم انتهاء سنوات الغياب.
وفي نهاية حديثها، تعود الزوجة إلى النقطة التي بدأت منها الحكاية: التعب النفسي، والقلق الذي لا يتوقف، والطفلة التي تكبر وتسأل عن أبيها. كلماتها تختصر ما تعجز الأرقام والأحكام عن نقله؛ فخلف كل اسم في قوائم الأسرى بيت ينتظر، وخلف كل غياب أسرة تحاول أن تواصل حياتها رغم الخوف والفقد.
في بني نعيم، لا تنتظر سناء أباها وحدها؛ فهناك عائلات بأكملها تنتظر أبناءها، وأطفال ينتظرون آباءهم، ومرضى ينتظرون العلاج، وبيوت تحاول أن تستعيد شيئًا من الأمان بعد أن فقدت أصحابها. إنها حكاية عائلة تتوزع بين السجون والمرض والحرمان، ولا يزال أملها معلقًا على العلاج، وتحسين ظروف الأسرى، ولمّ الشمل، وعودة الغائبين إلى من ينتظرونهم.




