تعيش الأسيرات الفلسطينيات واحدة من أعتى مراحل القمع في تاريخ السجون الإسرائيلية، حيث تحوّل سجن الدامون المخصص لاحتجاز النساء إلى مساحة مغلقة تمارس فيها سياسة ممنهجة من التعذيب النفسي والجسدي، والعزل، وتجريد الأسيرات من حقوقهن الأساسية.
وتكشف شهادات حديثة لأسيرات من الخليل وغزة والقدس ونابلس وبيت لحم وطولكرم بعضهن ما زلن قيد الاعتقال وأخريات محررات عن منظومة قمع متصاعدة تتجاوز الخطوط الحمراء التي يكفلها القانون الدولي الإنساني واتفاقية مناهضة التعذيب.
أولًا: الاعتقال العنيف نقطة البداية لعذاب طويل
الصحافية الأسيرة فرح أحمد أبو عياش
اعتُقلت فجر 5 أغسطس 2025 بعد اقتحام واسع شاركت فيه قوات خاصة ومجندات.
قُيدت برباط بلاستيكي محكم أدى لانتفاخ يديها، ونُقلت إلى مستوطنة كرمي تسور حيث تُركت ساعات طويلة تحت مياه ملوثة وبقرب كلاب هجومية.
من هناك نُقلت إلى عتصيون ثم إلى المسكوبية، الذي وصفته بأنه "فيلم رعب": ضرب، سحل، شتائم، تكبيل بالسلاسل، جنزير ثقيل على الكتفين، إرغام على كشف كلمة مرور هاتفها.
نُقلت قبل التحقيق إلى غرفة مهجورة في الرملة ثم إلى زنزانة تحت الأرض مليئة بالصراصير والفئران والبق، ما ترك آثارًا جسدية ونفسية ما تزال تعاني منها.
الأسيرة ولاء خالد طنجي
اعتُقلت يوم 4 يوليو 2025 بعد مداهمة شارك فيها 11 جيبا عسكريا. تعرضت لضرب وحشي منذ اللحظة الأولى، ونُقلت إلى المسكوبية شهرا كاملًا.
ولاء، التي تصف نفسها بـ "أميرة العزل" بعد 11 مرة من العزل الانفرادي، كشفت عن قمعة كبرى جرت مع اليماز: سحبتها سجّانة مثل شوال طحين إلى الساحة، دهست على رقبتها، وأشارت إلى آثار الضرب أمام القاضي.
تعرضت لعزل يومي 12 ساعة مكلبشة ليدين ورجلين، مع تفتيشات فجريّة.
ثانيا: البوسطة… "قبرٌ متنقل"
تشترك شهادات الأسيرات في وصف البوسطة عربة النقل الحديدية ـ بأنها مساحة تعذيب بحد ذاتها:
تسنيم بركات عودة من القدس قالت إن القفص الصدري ما يزال يؤلمها من ضربات عناصر "النحشون"، وإنها سُحبت من الدرج وهي مكلبشة.
ضرب بالبسطار، تغمية للعينين، جرّ على الأرض، وبرد قارس داخل المركبة يجعل الرحلة رعبًا متنقلًا.
تتكرر الرحلات بين المحاكم والسجون لساعات طويلة تُترك فيها الأسيرات دون ماء أو طعام أو حمّام.
ثالثا: سجن الدامون… قمعٌ يومي وحياة بلا مقومات
اكتظاظ وتجريد من الأساسيات
تضم الدامون اليوم 50 أسيرة، مع دخول ثلاث أسيرات جديدات مؤخرًا. الغرف صغيرة، وأعداد الأسرّة لا تكفي:
– إحدى الأسيرات في غرفة فرح تنام على الأرض.
– في غرفة تسنيم، هناك ستة أبراش لثماني أسيرات، ما يضطر اثنتين للنوم أرضًا.
منع الاحتياجات الأساسية
- رفض إدارة السجن تزويد الأسيرات بملابس داخلية وغيارات.
- الملابس الموجودة اهترأت، ولا يُسمح بتغييرها.
- التفتيشات تستهدف حتى الأقلام.
- الطعام شحيح والماء ملوث.
- قمعات متواصلة
- رش الغاز في الغرف.
- اقتحامات مفاجئة ليلًا ونهارًا.
- ضرب وركل، سحب الأسيرات أرضا، وإهانات لفظية مستمرة.
- عزل انفرادي متكرر، كما حدث مع ولاء التي بقيت في غرفة مليئة بالصراصير والفئران.
رابعا: التعذيب النفسي والجسدي في مراكز التحقيق
زنزانات التحقيق… برد، عتمة، وانهيار جسدي
التحقيقات تمتد لأسابيع تصل إلى 55 يوما كما حدث مع فرح، تتنقل خلالها الأسيرات بين المسكوبية، الجلمة، عتصيون، عسقلان، والرملة.
تصف الأسيرات:
- بردا قارسا يؤدي إلى فقدان الوعي.
- تقييدا متواصلا لساعات طويلة.
- إسقاطات نفسية، عزل تام، منع النوم.
- صراصير، فئران، بقّ، عفن، وروائح خانقة.
تقول فرح: "كنت أُغمى عليّ من البرد. شعرت أن جسدي ينهار. التحقيق رحلة موت بطيء."
خامسا: شهادات حية… من لحظة الاعتقال حتى داخل السجون
1. الصحافية الأسيرة فرح أحمد أبو عياش (مواليد 2000 – بيت أمر/الخليل – معتقلة منذ 05.08.2025)
اعتقلت فرح فجرا بعد اقتحام واسع لمحيط منزل عائلتها شاركت فيه قوات خاصة ومجندات. قيدت برباط بلاستيكي محكم أدى لانتفاخ يديها، ثم نقلت إلى مستوطنة كرمي تسور حيث تُركت ساعات طويلة على كرسي تحت مياه ملوثة وبقرب كلاب هجومية. تحكي فرح أن التحقيق في المسكوبية كان "فيلم رعب": ضرب، سحل، شتائم، صفع، تكبيل بالسلاسل، وجنزير ثقيل على كتفيها. أُجبرت على كشف كلمة مرور هاتفها، ونقلت قبل التحقيق إلى غرفة مهجورة في الرملة ثم إلى زنزانة تحت الأرض مليئة بالصراصير والفئران والبق. أصيبت بالإغماء عدة مرات بسبب البرد القارس، وتقول إن رحلات البوسطة كانت “رعبا متنقلا” من شدة القيود والإهانات.
2. الأسيرة تسنيم بركات عودة : (مواليد 17.09.2003 – عناتا/القدس – معتقلة منذ 12.12.2024) اعتقلت تسنيم بعد اقتحام عنيف لمنزل عائلتها، حيث جرى تقييدها من اليدين والرجلين وتعتيم عينيها ونقلها بواسطة "البوسطة". تصف رحلات البوسطة بأنها قبر متجوّل، تتعرض خلالها للضرب من وحدة "النحشون"، ما تسبب لها بآلام في القفص الصدري والظهر. جُرجرَت على الدرج وهي مكلبشة فوقعت مرات عدة، وتعرضت للركل بالبسطار والشتائم المستمرة. تعيش تسنيم اليوم في غرفة مكتظة تتسع لـ6 أسرّة لكنهّا تضم 8 أسيرات، ما يضطر اثنتين للنوم على الأرض، إلى جانب شح الطعام والتشديدات اليومية.
3. الأسيرة أماني محمود رضوان النجار : (مواليد 01.01.1984 – مخيم الفوّار/الخليل – معتقلة منذ 26.02.2025) اعتُقلت أماني للمرة الثانية بعد مداهمة منزلها فجراً، حيث نُقلت مباشرة إلى سجن الدامون وسط تفتيش قاسٍ وشتائم متواصلة. تحكي أماني أنّ الإجراءات في الدامون شديدة ومهينة، وأن التفتيشات متواصلة حتى على قلم.
تقول: "بمشّط شعري بإيدي من يوم ما انحبست ما مسكته بمشط"، في إشارة إلى منع إدخال أبسط الاحتياجات الشخصية.
أماني، رغم القهر والضغط النفسي، حوّلت الزنزانة إلى مساحة داخلية من الصمود: حفظت سورة البقرة كاملة وسورة النور خلال فترة اعتقالها.
4. الأسيرة إباء عمار معروف أغبر : (مواليد 28.05.2002 – رفيديا/نابلس – معتقلة منذ 16.03.2025) اعتقلت إباء بعد اقتحام منزل عائلتها وتعرضها لتفتيش قاسٍ قبل نقلها إلى الدامون.
تصف الوضع في السجن بأنه مأساوي: تشديدات يومية، قمعات متتالية، رفض تزويد الأسيرات بالغبارّات أو الملابس الداخلية، والملابس الموجودة اهترأت تمامًا.
تؤكد إباء أنّ حياة الأسيرات تتحول يومًا بعد يوم إلى صراع للبقاء في ظل نقص الأساسيات ومنع الاحتياجات الإنسانية.
5. الأسيرة ولاء خالد فوزي طنجة :(مواليد 30.07.1996 – مخيم بلاطة/نابلس – معتقلة منذ 04.07.2025) اعتقلت ولاء بعد اقتحام ضخم شاركت فيه 11 دورية عسكرية عند الثالثة فجرًا، تعرضت خلاله لضرب وحشي قبل نقلها إلى المسكوبية لشهر كامل.
تصف كلبشتها بأنها "كلبشة مدمّجة" لليدين والرجلين طوال الوقت، ما خلف حفراً وآثارا عميقة في الجلد.
تروي عن القمعة الكبرى في الدامون: سحبَتها سجّانة من ذراعها مثل شوال طحين رمتها بقوة في الساحة، ودهست على رقبتها بالبسطار وسط شتائم وإهانات.
وُضعت في عزل يومي 12 ساعة وهي مكلبشة، وفي غرفة مليئة بالصراصير والفئران.
تقول بثبات: "هاي أصعب حبسة… بس كل حبسة بزيد قوة أكثر وأكثر". ولاء الآن معزولة في غرفة رقم 1، والحبسة الحالية هي الثالثة في حياتها.
6. شهادة الأسيرة المحررة تسنيم الهمص (من رفح – مخطوفة أولًا ثم معتقلة لاحقًا – من 2023 حتى 2024 تقريبا) تسنيم اختطفت أولاً على يد جماعة مسلحة تُعرف بـ"أبو شباب"، قبل تسليمها للاحتلال للضغط على والدها الأسير مروان الهمص. تنقلت بين زنازين عسقلان، مجدو، الدامون، الرملة، الجلمة، والمحكمة في عزلة شبه كاملة بلا ضوء ولا قدرة على الحركة. تحكي عن خمسين أسيرة شاهدتهن يتعرضن لانتهاكات قاسية:
– منع الحجاب والجلباب،
– رش الغاز داخل الغرف،
– ضرب يؤدي لإصابات خطيرة في الرأس والوجه،
– نقل متكرر بين السجون لإرهاقهن نفسيًا،
– ظروف احتجاز مهينة وحرمان من العلاج.
تقول تسنيم إن الانتهاكات سياسة عامة تُطبّق على كل الأسيرات.
سادسا: الإطار القانوني للانتهاكات
تنتهك هذه الممارسات قواعد القانون الدولي الإنساني واتفاقية جنيف الرابعة بخصوص:
1. حظر التعذيب والمعاملة اللاإنسانية
ما تتعرض له الأسيرات في التحقيق والبوسطة وساحات السجن يُصنف قانونيًا كتعذيب ومعاملة قاسية ومهينة.
2. الحقوق الصحية
– منع العلاج، البرد الشديد، عدم توفير الملابس، والاحتجاز في أماكن موبوءة كلها انتهاكات صارخة.
3. الحق في الكرامة الإنسانية
– التفتيشات العارية، الشتائم، سحب الأسيرات من شعرهن، ورش الغاز داخل الغرف.
4. الحق في المحاكمة العادلة
– الضغط لاستخراج كلمات المرور.
– منع التواصل مع محامٍ خلال التحقيق.
– النقل القاسي الذي يعيق متابعة جلسات المحاكمة.
سابعا: توصيات حقوقية عاجلة
1. تشكيل لجنة دولية مستقلة لزيارة سجن الدامون ومراكز التحقيق.
2. وقف العزل الانفرادي بحق الأسيرات خصوصا ولاء طنجة.
3. تقديم رعاية طبية عاجلة لضحايا الضرب والبرد، وفحص الإصابات الناتجة عن الصعق والقيود.
4. السماح بإدخال الملابس والاحتياجات الشخصية فورا.
5. محاسبة المسؤولين عن التعذيب داخل البوسطة.
6. إلزام الاحتلال باحترام اتفاقية مناهضة التعذيب وجنيف الرابعة في معاملة النساء الأسيرات.
7. مناشدة مجلس حقوق الإنسان لتفعيل آليات التحقيق الخاصة بحالة الأسيرات الفلسطينيات.
تكشف شهادات الأسيرات عن واقع لا يحتمل:
نساء شابات وأمهات وطالبات وصحافيات يواجهن منظومة كاملة من القمع، في ظلام الدامون والمسكوبية والجلمة والرملة.
إنها سياسة ممنهجة تستهدف كسر إرادة المرأة الفلسطينية وتجريدها من إنسانيتها.
ومع ذلك، تبقى صمودهن، روايتهن، وقدرتهن على تحويل الزنزانة إلى مساحة مقاومة روحية، دليلا على أن الاحتلال رغم كل العنف لم يستطع أن يحبس الروح.