من خطف إلى زنازين… شهادة تسنيم الهمص تكشف الجرح المفتوح لمعاناة الأسيرات الفلسطينيات
تقرير/ إعلام الأسرى

منذ اللحظة الأولى لاختطافها، كانت الشابة الممرضة تسنيم مروان الهمص تدرك أنها تدخل عالمًا لا يشبه أي شيء عرفته من قبل، لم تبدأ رحلتها على يد جيش الاحتلال مباشرة، حسب شهادتها، بل على يد مجموعة مسلّحة متعاونة مع الاحتلال تُعرف بـ”جماعة أبو شباب”،

قامت باختطافها أولًا قبل أن تنقلها لاحقًا إلى قبضة الاحتلال.

بهذه الصدمة بدأت فصول الحكاية، وما تلاها كان أكثر قسوة وتشابكًا، رحلة تنقّلت فيها تسنيم بين سجون وزنازين ومراكز تحقيق، رأت خلالها وجوه الأسيرات الفلسطينيات في أقسى لحظاتهن، وعاينت ما قالت إنه “واقع منظم من الإذلال والعقاب”.

تصف تسنيم اللحظة الأولى بكلمات سريعة : “خطفوني جماعة أبو شباب، ثم تم نقلي للاحتلال”. كانت تشعر أن ما يجري لا يستهدفها وحدها، وإنما يستهدف والدها الأسير الدكتور مروان الهمص، خصوصًا بعدما أخبرها المحققون مباشرة بأن وجودها لدى الاحتلال له علاقة بالضغط عليه.

لم يمضِ وقت طويل حتى بدأت سلسلة التنقلات بين السجون، كان سجن عسقلان محطتها الأولى، وهناك رأت والدها من بعيد، قبل أن تُسحب سريعًا إلى سجن مجدو، ثم تُعاد إلى زنازين عسقلان، تقول: “كلها زنازين… حوالي شهر كامل” شهر من العزلة، بلا ضوء كاف، بلا حركة، بلا قدرة على معرفة الزمن أو المصير.

بعد انتهاء فترة الزنازين، نُقلت تسنيم إلى سجن الدامون، حيث وجدت نحو خمسين أسيرة من الضفة الغربية والداخل المحتل والتي  لم تكن مجرد محطة، وإنما المكان الذي بدأت فيه تدرك أن انتهاكات الاحتلال سلوك متكرر يتعرّض له الجميع. تقول: “هناك أسيرات… حوالي خمسين. كلنا نعاني”. وتروي كيف كانت الأسيرات يُمنعن من ارتداء الحجاب والجلباب، في محاولة لكسر هويتهم  الدينية والاجتماعية.

تقدّم تسنيم وصفًا دقيقًا لوسائل الإيذاء التي يستخدمها الحراس ضد الأسيرات: “بيرشّوا عليهم غاز… بأذوهم”.

وتتوقف عند حادثة بقيت عالقة في ذاكرتها: “في أسيرة انفتح راسها… وعلى الأغلب في كسر فوق عينها… وكانوا راشّين عليها غاز”.

فالغاز وسيلة عقاب تُستخدم على مسافة قريبة في غرف الأسيرات المغلقة، ما يجعل تأثيره أقسى على الجسد والعينين والتنفس.

بعد الدامون، نُقلت تسنيم إلى سجن الرملة، ثم الجلمة، ثم عُرضت أمام محكمة في اللد، قبل أن يعيدوها مجددًا إلى الدامون، وتقول: “ماروّحت… كانوا يحكولي إنّي حأروح… بس يضلّوا يرجعوني من مكان لمكان”. كانت عملية النقل المستمرّ — من دون تفسير أو إجراءات واضحة — جزءًا من الضغط النفسي الذي تعرضت له، إذ لم تكن تعرف سبب التنقل، أو مدة بقائها، أو وجهتها المقبلة.

تقدّم تسنيم شهادة كاملة عن واقع الأسيرات، تلتقي تفاصيلها مع روايات سابقة لأسيرات محررات  وتكشف نمطًا متكررًا من الانتهاكات: منع الحجاب والجلباب كأداة إذلال، رشّ الغاز مباشرة على الأسيرات داخل غرف مغلقة، إصابات في الرأس والوجه تتكرر دون تقديم علاج كافٍ، نقل متواصل بين السجون لإرهاق الأسيرات نفسيًا، ضغط على العائلات عبر إبقاء مصيرهن معلّقًا.

شهادة تسنيم الهمص مرآة واضحة لما تتعرض له الأسيرات الفلسطينيات داخل السجون الإسرائيلية: عتمة الزنازين، غاز يخنق الأرواح، منع للحجاب، إهانات مستمرة، ونقل متواصل يبتلع أي شعور بالأمان.

تسنيم خرجت، لكن كلماتها بقيت داخل الأسوار، تطرق الجدران نيابة عن خمسين أسيرة ما زلن يواجهن الظلام ذاته.

شهادتها وثيقة إدانة مفتوحة تثبت أن الانتهاكات داخل السجون حقيقية ومتواصلة، وأن الأسيرات يتعرضن لظروف قاسية تؤثر على صحتهن الجسدية والنفسية، وتبرز الحاجة إلى الرقابة الدولية والمساءلة كأمر عاجل لا يمكن تأجيله

جميع الحقوق محفوظة لمكتب إعلام الأسرى © 2020