التفتيش العاري وعزل عوفر: كوابيس تلاحق الأسيرات وتجبرهن على المطالبة بحكمٍ سريع

30 أكتوبر 2017 . الساعة : 11:52 . منذ 3 أسابيع

إعلام الأسرى 

بعض القصص تدفن قبل أن تحدث، لأن المجتمع ليس على استعداد أن يسمعها أو يعترف بأنها تحدث، تماماً كما تفور دماء الحمية في قلوب الفلسطينين، حال صدور حكم تعسفي بحق أسيرة قاصر، ثم سرعان ما تنتهي المدة الزمنية لفورة الدم بعد أيام قليلة، وتصبح الأسيرة الجندي الوحيد في معركة مدافن الأحياء.

يستدعي كشف النقاب عن تفاصيل حدثت في سجون الاحتلال الصهيوني، من تصرفات مدمية بحق الأسيرات قلباً يملك قدراً كبيراً من القوة والقدرة على العطاء المعلوماتي دون خشية، وبهدف كشف النقاب عن المعنى الحقيقي لأن تكون هناك أسيرة في سجون الاحتلال.

مكتب إعلام الأسرى أجرى حواراً خاصاً مع الأسيرة المحررة هيفاء أبو صبيح (38عاماً) من مدينة الخليل، وهي الأسيرة التي كانت مدة بقائها في سجون الاحتلال كفيلة برسمها صورة واضحة لطبيعة حياة الأسيرات في سجني الدامون وهشارون وفي المعابر والبوسطة وغرف التفتيش القاتلة.

تقول أبو صبيح، واصفة الطريقة التي يتم فيها تجهيز أسيرة حديثة العهد بالسجون والبوسطة والمحاكم، قبل نقلها لحضور جلسة محاكمة خاصة بها " نحذرهن من كل شيء، نخبرهنّ أن ينتبهن جيداً فالسجانة وإن ادعت عدم فهمها للغة العربية إلا أنها تفهم وتسجل كل شيء، يجب أن لا تتحدث الأسيرة مع أي أحد موجود في البوسطة من المدنيين، حتى لو تكلموا هم معها واستمروا بمناداتها".

بقلبٍ مجهد يتم توصية الأسيرة في حال رؤية أسرى أمنيين يبدو عليهم الوقار ويمكن تمييز أنهم أمنيين أن تسألهم عن موعد الصفقة والحرية المرتقبة، تضيف أبو صبيح" نخبرهنّ أن لا يكن عرضةً للاستفزاز السهل، إن طلبوا منهن تفتيش عاري، عليهن أن يرفضن ذلك قطعاً، حتى آخر رمق، نوصيهن بقراءة القرآن والدعاء والصلاة في الزنزانة، والدعاء لهن خلال رحلة السفر الطويلة لأن دعاء المسافر مستجاب".

تتابع أبو صبيح وصفها لمشهد تجهيز الأسيرة فتقول" نخبرها أن توصل سلامنا لأهلها حتى لو لم نعرفهم، نطلب منها أن تتحدث معهم بالإشارة قدر الإمكان، نوصيها أن ترتب ثيابها بطريقة لا تشعرها بالبرد أثناء طريق العودة، وأن تحاول أن تشعر بالدفء قدر المستطاع، أن تتخيله إن أمكن، ونحذرها من الدخول للمخابرات في طريق العودة من المحكمة".

تعمد المخابرات عقب عودة الأسيرة من المحكمة في بعض الأحيان إلى استدعائها، والأسيرات يخبرنها قبل خروجها للبوسطة أن لا تقبل ذلك وإن كان لا بد فلا تتحدث عن شيء، وتطلب منهم إحضار المسؤولة، وحتى تنتهي رحلتها تكون الأسيرات قد جهزن لها مكان للراحة والأكل الذي حرمت منه خلال مسيرة الطريق الطويلة، والنوم كذلك.

تحتاج الأسيرة إلى أسبوع راحة على الأقل من ألم البوسطة والمحاكم والزنازين عقب عودتها إلى سجنها الأصلي، فبعض رحلات البوسطة تستمر 3 أيام دون أكل ودون نوم.

الأسيرات يعرفن حقوقهن، ففي سجن الدامون اجتمعن على رفض انتهاك التفتيش العاري الذي يمارس بحقهن، وتم تحذير إدارة سجن الدامون أكثر من مرة من قبل الأسيرات بأن التفتيش العاري إن حدث فلن يسكتن أبداً.

التفتيش العاري، حسب وصف الأسيرة المحررة أبو صبيح، يعني عاري بكل معنى الكلمة، فإن وجه الجهاز الزنان نحو الأسيرة وأصدر صوتاً معيناً يتم إخبراها بالعبارة التالي: باسم القانون، تفتيش عاري.

القبر المتحرك

تصف أبو صبيح البوسطة بالقبر المتحرك، تقول" تخيلوا الحقيقة، هنا أسيرة قاصر في البوسطة، لوحدها، رفقة أسرى مدنيين جنائيين إسرائيليين، يجلسون مقابلها يرونها وتراهم، يشتمونها ويسبون الذات الإلاهية، والرسول صلى الله عليه وسلم، عدا عن الكلام النابي، والحكرات المشينة التي يفعلونها وأساليب التحرش اللفظي والحركي المشين بكل ما تحمل الكلمة من معنى، وعادة تكون هذه الرحلة قد بدأت تمام الساعة الثانية والنصف فجراً، ليلاً، كما أن العودة للسجن تكون أيضاً تمام الساعة الثانية عشرة منتصف اليل، رفقة الجنائيين، ورفقة الكلاب التي يعمد الاحتلال إلى إدخالها البوسطة في أحيان كثيرة لترويع الأسيرات".

البوسطة بالنسبة للأسيرة هي التعريف المؤذي، الأيادي والأرجل مكبلة، الباب عليه ثلاث أقفال، علاوةً على وجود باب ضد الرصاص، ومفاتيح مختلفة لكل قفل، والكلاب، والأسيرات يصبن بالخوف الشديد من الكلاب، والجنائين هم أسلوب يتعمد الاحتلال ممارسته، ووضعهم في ذات البوسطة، إضافة إلى الروائح المؤذية، ورائحة الجنائيين والكلاب.

تتوقف أبو صبيح لتتعتذر إن كانت دخلت إلى تفاصيل مزعجة حول حياة الأسيرات في سجون الاحتلال، لكنها تؤكد أن كل هذا جزء بسيط من الألم الذي يتعرضن له.

تكمل أبو صبيح "كنا نصعد البوسطة من سجن الدامون، نمر بسجن الكرمل، المسافة ما بيننا وهذا السجن، تصل إلى ربع ساعة، ثم نصل سجن كيشون، ويتم نقلنا إلى بوسطة ثانية، أحياناً ننتظر في البوسطة المتوقفة عن الحركة لساعات طويلة، حتى تأتي البوسطة الثانية، ثم يتم نقلنا لسجن هشارون، نكون قد خرجنا من سجن الدامون في حدود الساعة الثامنة والنصف، ونصل إلى سجن هشارون بعد الساعة الرابعة، وأحياناً في المساء المتأخر".

لاحقاً، يتم إدخال الأسيرات إلى غرف المعبار، وهي عبارة عن غرف عزل خالية من كل مقومات الحياة، حتى أن الماء والأغطية لا تتوفر فيها، إن كانت الأسيرة تمكنت من الحصول على طعام من سجن الدامون، يكون ذلك جيداً وإلا تبقى جائعة، وفي تلك اللحظة تحديداً لا يهمها سوى أن ترتاح، من سفرها الطويل.

تمام الساعة 12 ونصف، كما توضح أبو صبيح، تاتي السجانة لإيقاضنا في ذات اليوم للتجهز للذهاب للمحكمة، يتم إخراج الأسيرة إلى زنازين أخرى في العراء والبرد، منتصف الليل، مكبلات اليدين والقدمين، ينتظرن هناك، حتى يتم تجميع عدد من الأسرى، والجنائيين، ويصعدون معاً إلى البوسطة، ثم تصل البوسطة في رحلتها إلى الرملة، وهو ملتقى كل البوسطات القادمة من الشمال والجنوب.

تقضي الأسيرات هناك، وقتاً طويلاً حتى يتم تنظيم كامل البوسطات، أحياناً يمكن أن ينتظرن في البوسطة لساعات طويلة.

عزل عوفر

عقب ذلك، يتم إرسال البوسطة إلى عوفر، تبقى الأسيرة هناك، حسب محكمتها وما تستغرقه من وقت، وحين يصدر أمر التأجيل، تأخذ ورقة التأجيل، ويتم إرسالها إلى الزنازين مرة أخرى، وتبقى الأسيرة في عزل عوفر، حتى تنتهي الأسيرات والأسرى من محاكمهم، وتمام الساعة السادسة مساءً يتم تجميع كافة الأسرى والأسيرات.

وتتكرر طريق العودة ذاتها، للبوسطة، ثم للرملة، تعلق أبو صبيح" تلك هي لحظة الموت، أحياناً تستمر مرحلة الانتظار ست ساعات، وأحياناً أكثر من ذلك، الأسيرة تكون جالسة على الحديد البارد كل هذه المدة، تنتظر تحرك البوسطة، وتصل البوسطة سجن هشارون تمام الساعة 12 ونصف ليلاً، يتم إبقاء أسيرات الدامون هناك خلال الليل، متعبات متألمات، حتى يأتي الصباح، توقظهن السجانة، لتجهزنّ أنفسهن للعودة إلى سجن الدامون مرة أخرى، تصل البوسطة تمام الساعة العاشرة، ثم تتكرر الرحلة السابقة لسجن كشيون ثم لسجن كرمل، ثم نصل للدامون".

حتى عقب وصول الأسيرة إلى سجنها الأصلي لا يتم إرجاعها لقسمها فوراً، عليها أولاً أن تبقى في زنازين العزل حتى يأتي الضابط ويقوم بإرجاعها إلى سجنها، وإذا حالفها الحظ تصل على قسمها تمام الساعة الرابعة.

لمى البكري

تشير أبو صبيح إلى أنه وعقب هذه الرحلة، تكون الأسيرة متعبة بشكل لا يوصف، حتى أنها تنام كمن أصيب بغيبوبة، وحتى أن الأسيرات في أحيان كثيرة للتخلص من مقبرة الموت المتحرك، كن يطلبن من المحامي إصدار حكم بحقهن مهما بلغ، على أن لا تتكر رحلة الموت تلك مجدداً.

تروي أبو صبيح قصةً لها مع الأسيرة القاصر لمى البكري، وهي الأسيرة التي الطفلة التي لا يتجاوز عمرها السادسة عشرة، والجريحة المحكومة بالسجن مدة ثلاث سنوات، وهي قصة حدثت لهن أثناء انتقالهن في البوسطة.

تروي أبو صبيح" أتذكر أن لمى كانت مصابة في قدمها، اسيرة طفلة جريحة، دخلنا البوسطة، كانت لمى ترتدي سترةً خفيفة، وكذك أنا، وكانت ترافقنا بالبوسطة أسيران قاصرتان من مدينة القدس، كانت البوسطة باردة للغاية".

لشدة البرد كانت الأسيرة لمى البكري تنتفض، كانت أسنانها تصطك ببعضها البعض، وكانت تخبرني بأنها تشعر ببرد شديد، تقول أبو صبيح بقلبٍ منفطر" السجانون لاحظوا بردنا، فعمدوا إلى تشغيل المكيف كي يزداد بردنا وألمنا".

تكمل أبو صبيح" رفعوا درجة التكييف لأقصى درجة باردة، لم نملك إلا أن نصرخ ونضرب الحديد بأرجلنا ونحدثهم بالعربي والعبري مطالبين بإطفاء المكيف، أتذكر أنهم لم يستجيبوا، وأخذت الأسيرات معي بالبكاء، كنت أكبرهن، وكنت المسؤولة عنهن، في الخلف لاحظت أن الأسرى الذين معنا أمنيين، كنت أطرق بقدمي الحديد، ولاحظوا ذلك وعلموا ما نعاني منه، لتبدأ البوسطة فجأة بالاهتزاز بعد أن أخذوا هم يضربون الحديد ايضاً".

تشير ابو صبيح إلى أن الأسيرة لمى كانت متجمدة تماماً كانت صغيرة الجسد، تتكور على نفسها، واحتضنتها أبو صبيح، وغمرتها بملابسها، تقول" رفعت جلبابي، ووضعتها في حضني، وغمرتها بكل ما أملك من دفء حتى وصلنا إلى المحكمة، ولم تكن الطريق بالقصيرة ابداً".

الحالات الطارئة

لا معنى لتلقي العلاج داخل الأسر، الأسيرات لا يملكن حق الحصول على دواء سوى المسكنات، وإن لم يطالبن هن بالعلاج لا يتم تقديمه لهن، وإن كان لأسيرة دور في تلقي العلاج قد يصل بها الأمر إلى الموت قبل أن تحصل عليه.

أبو صبيح، كانت إحدى الأسيرات المسؤولات في سجن الدامون، تقول" من أصعب الامور، حين تكون الأسيرة معزولة خارج القسم، أن لا نعرف عنها شيئاً، تماماً كما لا يعرف ذووها ومحاميها شيئاً عنها، كنت أخشى أن يتعرضن لسوء".

التحقيق بالنسبة للأسيرة لا يختلف كثيراً عن التحقيق مع الأسير، كلاهما يتعرضان للضرب والشبح والتفتيش العاري المهين والعزل، منهن من يتم تعذيبها تحت الأرض، في زنازين عسقلان، قرب مياه المجاري، كلٌ حسب قضيتها.

لا يتم التفريق عند التفتيش بين الأسيرة الأمنية والمدنية، وحدة النخشون والمجندة التي تقوم بالتفتيش تعامل الأسيرة كمدنية تم اعتقلها على قضية مخدرات، يتم الطلب منها أن تخلع ملابسها كاملة، وهو أكثر ما يؤلم الأسيرات، إدارة السجن تكون على علم بكامل هذه الإجراءات غير أنها تدعي عدم المعرفة.

لتحمل كل هذه الآلام القاتلة، تلتحق الأسيرات في سجون الاحتلال بجلسات تنمية بشرية وتفريغ نفسي، تنظمها أسيرات من بينهن، يملكن الخبرة في نواحي الاعتقال المؤلمة، فقط نتيجة لما يتعرضن له في البوسطة، يخضن غمار هذه الجلسات، وما يتعرضن له في الماحكم والعابر والزنازين وأقسام التفتيش، فالأحكام التعسفية مهما بلغت، لم تعد الأمر القاتل الوحيد في الحياة الاعتقالية للأسيرة الموقوفة.

اترك تعليق :

أبو عصب: غرف رقم 4 في مركز المسكوبية أداة قمع عنصرية للمقدسيين

اعتقال سبعة مواطنين من الضفة المحتلة فجر اليوم واحتجاز مواطنة 

في يوم الطفل العالمي .. الاحتلال يواصل استهدافه الممنهج بحق الطفولة الفلسطينية

نبذه عنا

مكتب إعلام الأسرى : مؤسسة إعلامية تعنى بأخبار وشؤون الأسرى في سجون الاحتلال ( صوت الأسير الفلسطيني إلى العالم )

التواصل السريع: 082822475 0599936852

جميع الحقوق محفوظة لموقع مكتب إعلام الاسرى © 2017