التعريف المجهول لأن تكون أباً أو أماً وراء القضبان

12 يوليو 2017 . الساعة : 09:22 . منذ 4 شهور

مرت الدقائق التي تلت إخبار مديرة سجن هشارون للأسيرة أم هديل، أن ابنتها هديل في طريقها إليها كأنها سنوات، تجمعت الأسيرات أمام الباب الرئيسي للقسم، وهن يحملن الأسيرة الأم بسبب عدم قدرتها على الوقوف عقب خوضها إضراباً مفتوحاً عن الطعام، مطالبةً بدخول ابنتها الرضيعة، ابنة الستة شهور عندها.

طال الانتظار، هكذا فكرت الأم لكنها لم تكن أكثر من خمس دقائق، منذ لحظة إخبارها بدأت بالصراخ والطلب من الأسيرات الطرق على الباب، ثم فتح الباب ودخلت الشرطية وهي تحمل الأسيرة الجديدة هديل، وهرول الجميع نحو الطفلة، تلقفتها إحدى الأسيرات واتجهت سريعة نحو الأم.

احتضنت الأم فلذة كبدها وفاضت عيونها من البكاء، عصر الدمع عيونها وعيون الأسيرات في بكائيةٍ جنائزية لم تشهد السجون مثلها من قبل.

أصبحت هديل، ملاك القسم، الشغل الشاغل للأسيرات، فالكل يريد أن يحملها ويداعبها وما أن تدعها هذه الأسيرة حتى تحملها الأخرى، وهكذا دواليك، فالجميع محروم من الأمومة، ومعظم الأسيرات الأمهات ينادينها بأسماء أطفالهن، جميع الأطفال كان لهم أم واحدة إلا هديل، عشرات الأمهات.

ولا أعلم، هل يعلم أحد منا كم عدد الأسيرات، وما هي أسماؤهن، وما يعانينه من الاحتلال وإدارته، إدارة مصلحة السجون.

بعد عامٍ ونصف العام، أخرجت هديل من سجن هشارون لأن عمرها تجاوز السنتين، ولا يسمح لها أن تبقى أكثر من ذلك، وتدعي محاكم الاحتلال أن الطفلة فطمت عن الرضاعة ولا تحتاج إلى رعاية والدتها، عامٌ ونصف مرت كطيف الأحلام الجميلة التي لا تدوم طويلاً، وانتزعت هديل من أحضان أمهاتها الأسيرات، لأيام طويلة ظل المطر يتساقط، كانت السماوات تبكي بغزارة، ترى من فقدت السماء حتى تبكي عليه كل هذا البكاء؟!.

لا يمكن نقل مشهد النحيب ذلك، فعندما تصبح الكلمات قاصرة عن تجسيد الفكرة، ورسم الصورة تلجأ للسكوت لكن اسأل الأم ماذا يعني لها فقد أحد أبنائها، اسأل أم الشهيد عن ابنها الشهيد بعد 20 عاماً وأكثر تنتظر دموع الإجابة على خدودها.

وصلت أصغر أسيرة في العالم إلى الحاجز الإسرائيلي بالقرب من رام الله، تلفتت يميناً ويساراً تنظر إلى السماء والجبال والشوارع للوجوه والجماهير الغفيرة التي تنتظرها، لسان حالها يقول: أين أنا؟ ما هذه الدنيا التي لا أعرفها؟ من هؤلاء؟ من أين جاؤوا؟، وضعوها في السيارة المتجهة للمنزل فالتصقت بنوافذ السيارة تحاول استكشاف عالمها الجديد.

شاهدت السيارات والباعة والموظفين وطلبة المدارس، الأشجار والزهور والفراشات إلى أن وصلت أخيراً للمنزل، وبعد إطعامها وتجهيزها للنوم اتجه بها والدها نحو السرير، أغلق الباب وراءه فبكت وأشارت نحو الباب، في إشارة إلى فتحه ومنذ دخولها إلى المنزل ظلت تفتح كل باب موصد، ما هذا؟ أيعقل أنها تشعر بالأبواب المغلقة؟هل حقاً كان خنق الحرية يؤلمها؟ فهل تدرك حقاً معنى الحرية؟.

بعد شهرين، كان موعد محاكمة الأم الأسيرة واعتقد الوالد أنه سيفرح هديل بإبلاغها أنها سترى والدتها غداً، وما أن أخبرها حتى بدأت بالبكاء وازرق وجهها وضاق نفسها، وصرخت( ما بدي أروح عالسجن، ما بدي أروح عند ماما)،ولم تهدأ إلا بعد أخذها إلى مدينة الملاهي.

في اليوم التالي كان يجب الذهاب للمحكمة، ولا يمكن ترك هديل وحدها، وكانت وصية أمها في كل رسالة أن تأتي هديل للمحكمة وتكحل عيونها برؤيتها، اعتقد الوالد بأن هديل قد نسيت موضوع المحكمة، فحملها ووضعها في السيارة واتجه نحو معسكر عوفر، حيث توجد قاعة المحكمة وما أن ظهرت الجدران العالية والأسلاك الشائكة التي تلف المعسكر، حتى بدأت هديل بالبكاء والصراخ وحاول والدها عبثاً تهدئتها ودخل بها إلى قاعة المحكمة، وما أن رأت والدتها حتى التصقت بوالدها وهي تصرخ(يا بابا ما بيد أروح عالسجن، يا بابا ما بيد ماما).

حاولت الأم من بعيد ملاعبتها ومداعبتها وتهدئتها، لكن هديل رفضت حتى النظر إليها، وقعت الأم من هول ما رأت وسمعت، وكأن حالها، يا ليتني مت قبل هذا، طلب القاضي إخراج هديل ووالدها من القاعة بحجة عرقلة عمل المحكمة وإزعاجها.

أطفال الأسرى والأسيرات كشجرة سقيت بماء الوحدة، وترعرعت بعيداً عن الشمس لكن هذه الشجرة بدلاً من أن تموت كانت أشد عوداً وأكثر محصولاً وأطيب ثماراً.

بعد عدة أعوام، أفرج عن أم هديل وردت إليها ابنتها كي تقر عيناً بها ولا تحزن.

الحزن له أنيابٌ حادة، كالسكين لا تخدش ولكنها تجسد معنى الألم، وهي تغوص عميقاً في جسد الذاكرة.

أنهى نضال مكالمته على غير عادته، بدا منزعجاً حزيناً، استلقى على سريره وراح يقلب ألبوم الصور الخاص به، مرت ساعات وهو لم ينبس ببنت شفة(فتحركش) به الأسرى في الغرفة حتى يعلموا ما حصل معه، قال: بعد الإفراج عني في صفقة وفاء الأحرار ارتبطت بزوجتي وتأخر إنجابها، وبعد إعادة اعتقالي ورفاقي المحررين في صفقة وفاء الأحرار، عقب حادثة خطف المستوطنين الثلاثة، أنجبت زوجتي ولدي الوحيد محمد، فرحت به فرحاً شديداً، أنساني ألم إعادة الحكم المؤبد مدى الحياة، والآن يكبر وأنا بعيد عنه، لا يعرف حتى من هو أباه.

من يومين طلب من زوجتي أن يشتري بوظة، فقالت له، سنسأل بابا أولاً.

فذهب راكضاً إلى الجهاز الخلوي، وأمسكه وبدأ يبكي بابا بابا أريد بوظة، اعتقد أني جهاز خلوي، أو أنني داخل الجهاز، فعندما يسأله أحد من أقاربه، أين بابا؟ يمسك الجهاز الخلوي ويقول هذا بابا.

(كم تعبنا ونحن نحمل أحلامنا ونسير بها إلى الغاية التي كانت تبعد كلما أحسسنا أننا اقتربنا منها، وكم نمنا على استبرق الأماني وصحونا على حصير العجز).

خرج إلى زيارة ذويه قوياً فرحاً ومفعماً بالحيوية، فاليوم سمح لأشرف بإدخال ابنته سارة، اليوم هي المرة الأولى التي سيمسك فيها أشرف سارة، ويحتضنها ويشتم عبير أنفاسها، واليوم هي المرة الأولى التي سيلاعبها ويقبلها ويشابك أكفها بكفه.

عاد من الزيارة على غير الحال التي ذهب به، واتجه مسرعاً إلى سريره ونام حتى ساعات المساء المتأخر، وعندما استيقظ كانت عيونه ممتلئةً بالدموع وعيون الأسرى تنظر إليه متسائلة ما به؟ ما الذي جرى؟.

لم تتقبل سارة والدها، رفضت أن يمسكها ويضمها وبقيت تبكي وتصرخ وتنادي ماما، حاول جاهداً إرضائها بكل الطرق، عرّض نفسه للعقاب بتهريبه لحبات الشوكلاتة، لكنها رمتها بعيداً عنها.

يبدو أن الذكريات إذا كانت تستقر في سويداء القلب فإن الإبقاء عليها دون استعادتها أصعب من استنهاضها، لأنها لا تنهض إلا وهي تجر خلفها ركاماً من الدماء والأشلاء.

هذا هو حال معظم الأسرى الآباء، من أبنائهم من يعتقد أن والده ميت، ومنهم من يعتقد أنه صورة، أو جهاز خلوي، ومنهم من يعتقد أن جده أو عمه أو خاله، هو أبوه، أما الأسرى الآباء لا يجدون أمامهم إلا الصبر وكتم الحزن والألم والحسرة في القلب والإقفال عليها ورمي المفتاح من النافذة.

كلمات مفتاحية:
اترك تعليق :

الاحتلال يعتقل 6 مواطنين من الضفة المحتلة فجر اليوم 

الأسرى في سجن مجدو يعانون أوضاعَ صعبة نتيجة الاكتظاظ ودخول الشتاء

الاحتلال يعتقل 21 مواطناً من الضفة المحتلة فجر اليوم 

نبذه عنا

مكتب إعلام الأسرى : مؤسسة إعلامية تعنى بأخبار وشؤون الأسرى في سجون الاحتلال ( صوت الأسير الفلسطيني إلى العالم )

التواصل السريع: 082822475 0599936852

جميع الحقوق محفوظة لموقع مكتب إعلام الاسرى © 2017